الكاتب : النهار
التاريخ: ٠١ أغسطس-٢٠٢٥       50325

بقلم: د. طارق بن حزام

في زمنٍ ضاقت فيه صدور الأفهام واتسعت منابر الجدل، يطلّ علينا سؤالٌ تهمس به العقول قبل أن تنطقه الألسن:

هل نُحاور لنفهم أم ننازع لننتصر؟ وهل صرنا نُجيد فنّ الحوار، أم أننا نحسن فقط إدارة الجدل والمغالبة؟

إن الحوار ليس نزاعًا بين متخاصمين، ولا حلبةً للتراشق بالأفكار، بل هو جسرٌ تبنيه العقول، وتمهّده الأخلاق، ويُعبَر عليه نحو الحقيقة.

 

أما الجدل، فغالبًا ما يكون غبارًا يثور حين تفتقر النفوس إلى التجرد، وتفتنها شهوة التفوق اللفظي، لا المعرفي.

 

الحوار رفعةُ العقل، ونُبلُ الخُلق، ولغةُ العقلاء، وصوتُ الحكماء.

فيه يُصغي المرء قبل أن يتكلم، ويزن كلماته بميزان الحكمة قبل أن يطلقها، ويحرص أن تكون ألفاظه جسرًا للتواصل، لا جدارًا للصدام.

 

الجدل، فهو زيف الحوار وشتات الحقيقة حين ينفصل عن غايته النبيلة، ويتحوّل إلى معركةٍ يتقاتل فيها المتكلمون على ركام الحقيقة، ويغدو انتصار الذات فيه أثمن من إدراك الصواب.

 

المجادِل لا يبحث عن الحق، بل يطارد انتصارًا ذاتيًّا يُسكت به الآخرين.

قال عنه الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم:

"ما ضلَّ قومٌ بعد هُدى كانوا عليه، إلا أوتوا الجدل" (رواه أحمد والترمذي).

 

في الحوار يُولد الحق من رحم الصدق، وفي الجدل يُوأد الحق تحت أنقاض العناد.

وصدق الإمام الشافعي رحمه الله حين قال:

"ما ناظرتُ أحدًا إلا أحببتُ أن يُوفَّق ويُسدَّد، ويكون الحقُّ معه."

 

فنّ الحوار مقامٌ لا يُدرك إلا بالتهذيب، فليس كل من تكلّم محاورًا، ولا كل من ردّ مجيبًا.

فالحوار موهبةٌ تهذّبها التجربة، وتقومها الأخلاق، وتحرسها النية.

 

أن تُحاور لا يعني أن تتنازل عن قناعتك، بل أن تُحسن عرضها بلينٍ ورفق، وأن تُنصت للرأي الآخر بعينٍ من الإنصاف، لا السخرية.

أن تُحاور يعني أن تكون كبيرًا في الاستماع، مبدعًا في الإنصاف، كريمًا في الاعتراف بالخطأ إن لاح لك الصواب.

 

قال ابن القيِّم رحمه الله:

"والإنصاف أن تكتالَ لمنازعك بالصاع الذي تكتال به لنفسك، فإن في كلِّ شيء وفاءً وتطفيفًا."

 

إنَّ مِن أرقى شمائل المُنصفين وأرفعِ مقاماتهم: لزومَ الحقِّ متى لاح أو ظهَر، والوقوفَ عند حدِّ الدليل والأثر، مع تمام الاستعداد للإقرار بالخطأ والتخلي عنه دون تردُّد.

وأن مَن هداه الله سبحانه إلى الأخذ بالحق حيث كان، ومع مَن كان، ولو كان مع مَن يبغضه ويُعاديه، وردِّ الباطل مع مَن كان، ولو كان مع مَن يُحبه ويُواليه، فهو ممن هُدِي لما اختُلِف فيه من الحق بإذنه، وهو من أعلم الناس، وأهداهم سبيلاً، وأقومهم قيلاً.

 

وحتى يكون الحوار ناجحًا ومثمرًا:

 

تجنّب تقديم الملاحظات والنصائح أثناء الحوار.

 

لا تفسّر كلام الآخر قبل فهمه بدقة، فإنّ التسرع في التأويل يُزعجه، وقد يُنهي الحوار أو يُحوّله إلى منازعات شخصية.

 

ابتعد عن التعميم، والتفسير القسري، والتصريحات التي تنطوي على ظلم أو إجحاف، لأن ذلك يُحوّل تبادل الآراء إلى تصادمٍ بين الأشخاص، ينتهي بحرق جسور التواصل والتعاون.

 

 

وختامًا:

ما أحوجنا اليوم إلى حوارات تُبنى على الاحترام لا الإسقاط، وعلى الحجة لا الصياح، وعلى طلب الحق لا لذّة الانتصار.

وأصل ذلك: أن نجمع القلب على الاستعانة بالله، ونقول:

اللهمَّ أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطلَ باطلاً وارزقنا اجتنابه.