الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٣ يوليو-٢٠٢٥       9185

بقلم - شموخ نهار الحربي

هناك مشهد لا يُمحى من الذاكرة: طائر صغير يفرد جناحيه للمرة الأولى، يُجرب الهواء، يهاب السقوط، لكنه يحاول. تراقبه الأم من بعيد، لا تدفعه، لا تمنعه، بل تؤمن به… وتدع السماء تتكفل بالباقي.
هذا الطائر ليس مجرد كائن، بل هو تشبيه دقيق لحلمٍ يولد فينا.
الأحلام مثل الطيور، تبدأ صغيرة، هشّة، لا يكاد أحد يراها أو يعيرها اهتمامًا… إلا من حملها في قلبه.

تمر الأيام، وتكبر الأحلام، ترفرف في صدورنا، وتطالب بالتحليق. نحاول أن نطاردها، أن نصل إليها، لكنها – كعادة  الطيور  – تطير بسرعة، تحلق عالياً، أحيانًا تتوارى خلف الغيوم، فنظن أنها ابتعدت… نظن أننا فقدناها.

لكن الحقيقة؟
ليست كل المسافات كما تبدو، ولا كل البُعد بُعدًا.
فبعض  الأحلام  تحلق بعيدًا فقط كي ترى منا أكثر، لتعرف كم نحن جادون، كم نحن صادقون في سعينا.
إنها تختبر صبرنا… تختبر إيماننا.

كم مرة نظرت إلى السماء وتمنيت شيئًا؟
كم مرة شعرت أن ما تريده بعيد، وأنك ربما لا تصل؟
ثم فجأة، دون سابق إنذار، يحدث شيء بسيط، يقربك من حلمك خطوة. وكأن الطائر الذي ظننته غادر، كان يلفّ السماء حولك، يرقبك من بعيد، ثم عاد ليلامس كتفك ويهمس: “أنا هنا… لم أذهب بعيدًا.”

ليست كل  الطيور  تُولد وهي تعرف الطيران، كما أن  الأحلام  لا تتحقق بمجرد أن نرسمها في الخيال.
لكن كل طائر سقط يومًا، وكل حلم انكسر، يمكن أن ينهض من جديد… بشرط أن نُبقي قلوبنا مفتوحة، وعيوننا إلى الأعلى، لا إلى الأرض.

العجيب في  الأحلام  أنها تعيش فينا، لكنها ترفض البقاء ساكنة. تريد أن نلاحقها، أن نركض خلفها، أن نتغيّر لأجلها، أن نتعلم، ننهار، نقوم، نُعيد المحاولة… وكلما اقتربنا منها خطوة، اقتربت منا خطوات.
هي لا تطلب الكمال، بل تطلب الاستمرار. لا تطلب أن نكون أقوياء دائمًا، بل أن نؤمن بها، حتى في لحظات الضعف.

الأحلام ليست للذين يملكون كل شيء، بل للذين لا يملكون إلا قلوبًا عنيدة، وأرواحًا لا تعرف الاستسلام.
لذلك، لا تخف إن شعرت أن حلمك طار بعيدًا…
ربما هو فقط يبحث لك عن طريق أسهل، أو يطير إلى مكانٍ أعلى ليعود إليك محملاً بالدهشة.

ولعل أجمل  الأحلام  هي تلك التي تحلق بعيدًا، ثم تعود إلينا فجأة، تمامًا كطائر كنا نظنه لن يعود… فإذا به يحطّ على نافذتنا، يطرق زجاجها برقة، وينتظر أن نفتح له الباب.

في النهاية،  الأحلام  مثل الطيور، لا يمكن أن تُسجن، ولا تُجبر على البقاء، لكنها حين تجد قلبًا يؤمن بها، تعود وتبقى.

فابقَ مؤمنًا، مُحلّقًا، ولا تترك عينك تنزل عن السماء…
فربما حلمك الآن يمرّ فوقك، بهيئته الجديدة…
أكثر قوة، وأكثر قربًا مما تظن .