بقلم - الصادق جادالمولى
في الاتحادات الدولية لا تُمنح المقاعد الاستشارية كتقليد بروتوكولي ولا تُقدَّم بوصفها جائزة لمن مرّ مرور الكرام؛ فالمسؤوليات هناك تُقاس بتراكم الرأي والخبرة، وتُوزن الأسماء بمقدار ما تقدّمه لا بما تحمله من صدى، وحين أعلن الاتحاد الدولي لكرة الطاولة عن تأسيس لجنة استشارية لرئيسه وأسند رئاستها لصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن عبدالرحمن بن ناصر بن عبدالعزيز آل سعود – حفظه الله – بدا القرار أوسع من مجرد منصب؛ وكان بمثابة إشادة هادئة بمنهج عمل، وإقرار بمسار لم يطلب الأضواء لكنه لم يغب عنها.
فمنذ أن تولى سموه رئاسة الاتحاد السعودي لكرة الطاولة بدأت ملامح العمل تتبدّل، حيث لم تكن التحولات صاخبة أو عارضة، وإنما جاءت كخطوات متأنية نحو بناء مؤسسي يستند إلى التنظيم والدقة، لذا أعيد ضبط البطولات، ووُضعت البرامج بعناية، ودُعمت المواهب لتكون قاعدة تستند إليها اللعبة لا زخرفة عددية، ولم يكن الهدف توسيع الحضور قبل نضج الفكرة، ولا التسابق على التصدر دون تأسيس، ليعمل الاتحاد كما يُفترض لأي جهاز وطني أن يعمل: بصبر وحرص وتركيز على البنية لا على الصورة.
ولقد تشرفت بلقاء سموه في أكثر من مناسبة، وفي كل مرة كان الانطباع واحدًا يتعمق لا يتغير، رجل لا يرفع صوته ولا يطيل الحديث لصناعة انطباع يصغي باهتمام، ويتحدث بقدر الحاجة، وفي أحد اللقاءات الجانبية أثناء التحضير لفعالية تقنية كان الحديث عن نادي الهلال وكان حديثًا يشبه أسلوبه الإداري: واضحًا، بسيطًا، خاليًا من الاستعراض، ومشحونًا باحترام الفكرة لا بجرس العبارات، لترسخ في ذاكرتي طريقة كلامه والتي تشي بمنهج لا يحتاج إلى زخرفة وتحمل في داخلها وزنًا يصعب تجاهله.
أما الذين يعرفون تركيبة المنظمات الدولية فيدركون تمامًا ما يعنيه أن يرأس أمير سعودي لجنة استشارية لدى اتحاد عالمي للعبة عريقة، فهذا الموقع لا يُمنح تمثيلاً إنما يُسلَّم لمن يُطلب رأيه في اللحظات الحاسمة، ويُعوَّل على بصيرته في توجيه القرار، وبين رئاسة اتحاد وطني ورئاسة لجنة استشارية دولية تظهر المسافة الطويلة التي تقطعها الجدية عندما تمضي في خط واضح لا ينحرف.
وثمة ما هو أبعد من التعيين ذاته؛ فالمملكة في شخص الأمير محمد لم تذهب إلى الاتحاد الدولي لتسجّل حضورًا، وإنما لتؤدي دورًا خاصةً وأنه من الجيل الذي يَفهم أن الرياضة ليست ملعبًا فقط وإنما منصة نفوذ ناعم، وطاولة يُكتب عليها ما يتجاوز نتائج المباريات، أضف إلى ذلك فحضور سموه في هذا الموقع هو صورة من صور السعودية الجديدة: حين تذهب، تذهب بمشروع، وحين تشارك، تشارك بعقل، وحين تصمت، فإنها تُنصت لما سيُكتب عنها بعد ذلك.