الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٥ ابريل-٢٠٢٦       33770

بقلم: أسماء خالد

في لحظات الأزمات الكبرى، تسقط الشعارات، وتبقى الأفعال وحدها هي الحقيقة التي لا يمكن إنكارها.. وفي ظل العدوان الإيراني الغاشم الذي تتعرض له دول المنطقة، أثبتت المملكة العربية السعودية مرة أخرى أنها ليست مجرد دولة محورية في الخليج العربيّ، بل القلب الذي ينبض لأجله، والعمق الذي تستند إليه شعوبه. فالسعودية لم تكن يومًا حاضرة بالخطاب فقط، بل كانت دائمًا سبّاقة بالفعل، تتقدم الصفوف حين تضيق الخيارات، وتتحمل المسؤولية حين تتعقد المسارات، وتتعامل مع أمن الخليج العربيّ بوصفه كيانًا واحدًا لا يتجزأ.
هذا الحضور السعودي لم يكن ظرفيًا، بل هو نهج ثابت يتكرر في كل اختبار، حيث تظهر المملكة كالأم الحاضنة لدول الخليج العربيّ، تمد يدها قبل أن تُطلب، وتفتح أبوابها قبل أن تُطرق، وتتحرك بثقة الدولة التي تدرك أنّ استقرار الخليج مسؤولية تقع في صميم دورها التاريخي والسياسي.
وفي مملكة البحرين، يتجلّى هذا الدور بصورة مباشرة وعميقة، منذ اللحظات الأولى للعدوان الغاشم الذي استهدف أمن البحرين، حين جاء الموقف السعودي واضحًا عبر اتصالات رسمية أكّدت الوقوف الكامل إلى جانب الشقيقة الصغرى، باعتبار أنّ أمنها جزء لا يتجزأ من أمن المملكة. هذا الثبات السياسي لم يكن مجرد إعلان موقف، بل كان الأساس الذي انطلقت منه بقية التحركات.
في قطاع الطيران، تحوّلت السعودية إلى رئة تشغيلية حيوية، حيث فتحت مطاراتها لاستيعاب الضغط الناتج عن إغلاق الأجواء، وكان لمطار الملك فهد الدولي في الدمام دور محوري في استمرار عمل الناقلة الوطنية "طيران الخليج"، ما مكّن البحرين من الحفاظ على اتصالها بالعالم وتجنب العزلة الجوية. هذه الخطوة لم تكن تشغيلية فحسب، بل كانت قرارًا استراتيجيًا حافظ على أحد أهم مفاصل الحياة الاقتصادية والخدمية.
وعلى صعيد الإمدادات، برزت المملكة العربية السعودية بوصفها شريان الحياة الحقيقي، إذ يسّرت حركة العبور واستمرارية التنقل، فلم تنقطع الشاحنات التجارية إلى البحرين محمّلة بالمواد الغذائية والأدوية والسلع الأساسية، في مشهد يعكس سرعة الاستجابة وعمق الجاهزية. وتشير الأرقام إلى أنّ البحرين استقبلت أكثر من 8 آلاف شاحنة خلال فترة وجيزة، وهو ما أسهم في تثبيت السوق المحلي وضمان استمرار توفر الاحتياجات دون أي اضطراب يُذكر.
أما في البحر، فقد أعادت المملكة رسم خريطة الإمداد، من خلال تفعيل موانئها، وعلى رأسها ميناء جدة الإسلامي، وإطلاق مبادرات لوجستية هدفت إلى تحويل مسارات البضائع وتوفير بدائل آمنة، بما ضمن استمرار تدفق التجارة إلى دول الخليج العربيّ، وفي مقدمتها مملكة البحرين. وقد شكّلت هذه الخطوات شبكة دعم متكاملة حافظت على توازن الحركة التجارية في وقت بالغ الحساسية.
وعلى الصعيد السياسي والدبلوماسي، برزت المملكة العربية السعودية كركيزة أساسية في تعزيز الموقف الخليجي الموحد، حيث قادت تحركات فاعلة على المستويين الإقليمي والدولي، مستثمرة ثقلها السياسي وعلاقاتها الاستراتيجية لتوضيح حقيقة التهديدات التي تواجه المنطقة، وحشد الدعم لمواقف دول الخليج العربي. وقد عملت المملكة عبر قنواتها الدبلوماسية على تثبيت شرعية الموقف الخليجي الموحد في المحافل الدولية، والتأكيد على ضرورة احترام سيادة الدول وأمنها.

وتكاملت هذه الجهود مع حضور سعودي شامل، جمع بين الدعم الجوي واللوجستي والسياسي، في صورة تؤكد أنّ المملكة لا تتحرك بشكل جزئي، بل تدير الأزمات برؤية متكاملة تضع استقرار الخليج العربيّ ضمن أولوياتها، وتجعل من دعم البحرين امتدادًا طبيعيًا لدورها الإقليمي.
كما كانت مملكة البحرين شريكًا فاعلًا في ترسيخ الموقف الخليجي على الساحة الدولية، حيث مثّلت المنطقة خير تمثيل من خلال عضويتها في مجلس الأمن، حاملة صوت الخليج وقضاياه إلى المنابر العالمية. وقد عكست هذه المشاركة وعيًا عميقًا بوحدة المصير، وأسهمت في تعزيز الحضور السياسي المشترك، وهكذا تتكامل الأدوار بين الأشقاء، في صورة تعكس تضافر الجهود وتوحد الصف، لتؤكد أنّ التحديات التي تواجه دول الخليج العربي واحدة، وأن العدو واحد، كما أن المصير كذلك واحد لا ينفصل.

وفي المحصّلة، يترسخ معنى واضح لا يقبل التأويل، وهو أن المملكة العربية السعودية لم تكن يومًا مجرد دولة مجاورة، بل كانت دائمًا السند والعمق والركيزة. وفي هذه الأزمة، كما في غيرها، أثبتت أنها الركن الذي يُعوّل عليه في الشدة والرخاء، والثبات الذي تستند إليه المنطقة في وجه التحديات. لقد كانت السعودية لكل الخليج العربي كما عهدناها دائمًا، لكنها في البحرين بدت أقرب وأكثر حضورًا، وكأنها تؤكد أن ما يربط البلدين ليس مجرد حدود، بل مصير واحد لا ينفصل، وهكذا تكشف الأزمات جوهر العلاقات، لتؤكد هذه المرحلة أن من يجاور السعودية.. يسعد.. يطمئن ويزدهر.