الكاتب : النهار
التاريخ: ١١ ابريل-٢٠٢٦       7865

بقلم : حذامي محجوب

في تجارب سياسية استثنائية عرفها الشرق الأوسط الحديث ، لا تكمن المعضلة الأساسية في الخسارة العسكرية بحد ذاتها ، بل في الكيفية التي يُعاد بها تعريف هذه الخسارة داخل الخطاب الرسمي للنظام . 

فبدل أن تُواجَه الهزيمة باعتراف صريح أو مراجعة عميقة ، يجري تفكيك معناها وإعادة تركيبها : تتحول إلى “ صمود ”، ويُعاد تقديم الانكسار بوصفه  “ انتصارا  مؤزرا  ”، ويُكسى التراجع بلباس “ الحكمة الاستراتيجية ”

 هذا ليس مجرد تلاعب لغوي عابر ، بل هو منطق حكم متكامل ، تتقدّم فيه السردية على الواقع ، ويغدو  فيه الخطاب بديلا  عن الفعل ، والرمز بديلا  عن القوة . 

هنا تحديدا  لا تُدار السياسة بالنتائج ، بل بالتأويل ، ولا تُقاس القوة بما يتحقق على الأرض ، بل بما يُقنع به الداخل.

في العراق خلال عهد صدام حسين ، تجلّى هذا المنطق بوضوح عقب حرب 1991.

فقد انتهت الحرب بخسائر عسكرية فادحة وانسحاب واسع ، غير أن الخطاب الرسمي أعاد صياغة المشهد باعتباره “ نصرا  ”.

 لم يكن ذلك استنادا  إلى معايير السيطرة أو ميزان القوى ، بل إلى معيار واحد : بقاء النظام واستمرار صورته. 

وهكذا تغيّر تعريف النصر نفسه ، فلم يعد مرتبطاً بنتائج الحرب ، بل بقدرة السلطة على النجاة وإعادة إنتاج خطابها رغم الانهيار .

غير أن التحول الأعمق لا يكمن فقط في تزييف الوقائع ، بل في نقل مركز الثقل من الدولة إلى السردية. 

فالدولة، في معناها الحقيقي ، تُقاس بقدرتها على الإنتاج والحماية والتنمية . أما حين يُستبدل ذلك بخطاب يفسّر كل خسارة بوصفها “ تكتيكا ”، وكل تراجع باعتباره “ مرحلة في مسار أطول ”، فإن الخطاب لا يواكب الدولة، بل يحل محلها.

في السياق الإيراني اليوم ، و منذ قيام النظام بقيادة آية الله روح الله الخميني، يتكرر نمط قريب في تأويل الخسائر. 

فحين تتعرض أدوات النفوذ أو منظومات الردع لانتكاسات ، لا تُقرأ بوصفها خللا  في ميزان القوة ، بل يُعاد إدراجها ضمن سردية “ الصمود ” و” الاستنزاف الطويل ”. 

وهكذا تُنقل المعركة من أرض الواقع إلى فضاء رمزي مفتوح على التأويل ، حيث لا تُقاس النتائج بما يحدث ، بل بما يُقال عنه .

في هذا الإطار ، تصبح الهزيمة قابلة للتأجيل المفاهيمي : لا تُنفى بالكامل ، لكنها تُفرغ من معناها . تتحول من علامة ضعف إلى “ اختبار ”، ومن مؤشر تراجع إلى “ مرحلة ” في طريق نصر مؤجل ، غير مرئي ، ولا يخضع لأي معيار قياس واضح .

 لكن لهذا التحول كلفته البنيوية . فكلما ازداد الاستثمار في الخطاب على حساب المؤسسات، وفي الرمزية على حساب الاقتصاد، وفي التعبئة على حساب التنمية، اتسعت الفجوة بين الصورة والواقع . ومع الزمن ، لا يعود الخطاب قادرا على تغطية هذا التآكل ، بل يغدو جزءاً منه.

وهنا تتجلى المفارقة القاسية : كلما اشتد صلابة الخطاب ، ازداد الواقع هشاشة . فالقوة المبنية على السردية وحدها تحتاج إلى تضخيم دائم، وإعادة تعريف مستمر للنجاح ، حتى لا تنهار تحت وطأة الحقائق .

إن أخطر ما في هذا النمط ليس الهزيمة ذاتها ، بل القدرة على إقناع الداخل بأنها لم تقع ، أو أنها وقعت بمعنى مختلف تماماً. وعندما تُطمس الحدود بين الواقع وتأويله، تتحول السياسة من إدارة للوقائع إلى إعادة كتابة مستمرة لها.

في النهاية، لا تُهزم الدول فقط في ميادين المعارك و القتال، بل في قدرتها على تسمية ما يحدث لها بوضوح. 

فالتاريخ لا يعاقب من يخسر الحرب  فحسب، بل من يُصرّ على تحويل الخسارة إلى انتصار لغوي دائم، حتى تفقد الكلمات معناها، ولا يبقى سوى صمت الوقائع … صمتٌ قاسٍ لا يقبل التأويل .