الكاتب : النهار
التاريخ: ١٦ يوليو-٢٠٢٥       12100

بقلم - سلوى الجهني

حين يفرز الوجع من يوجعك ومن يتفرج عليك

في مسيرة الحياة، لا تختبرنا المصاعب وحدها، بل تكشف لنا الوجوه الحقيقية من حولنا.
فمن الناس من يُطلق عليهم "رفاق الألم"، وهم أولئك الذين مرّوا معنا، أو بالتزامن معنا، بنفس الظروف القاسية – كالخسارة، الظلم، أو فقد الأمان الوظيفي – فيشاركوننا مشاعرنا دون حاجة للشرح، لأن قلوبهم تعرف نفس الخدش.

إنهم يستمعون، يواسون، لا يصدرون أحكامًا، بل يقولون:
"نحن نعلم، لأننا مثلك..."
وهؤلاء نعمة في وقت الجرح، وتجلٍّ لمعنى الدعم الحقيقي.
هم من يُشعرونك أن وجعك مفهوم، وأن صوتك مسموع، وأنك لست وحيدًا وسط التجربة.

وعلى الطرف الآخر، هناك من يُطلق عليهم "أصدقاء الراحة".
يظهرون حين تكون الحياة ناعمة، والنجاح حليفك، لكنهم يتوارون حين تهتز الأرض من تحتك.
كأنهم لا يطيقون رؤية الألم، أو لا يجدون فائدة من البقاء.
والغريب أنهم يعودون فجأة… فقط إذا مرّوا بنفس ألمك!

وتلك العودة لا تحمل دفء الوفاء، بل تحمل بحثًا عن من يفهمهم الآن، بعدما لم يسعوا لفهمك سابقًا.
وكأن الألم وحده هو ما يوقظ فيهم إنسانيتهم.

 

روى الإمام مسلم عن النبي ﷺ أنه قال:

> "مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى."
(رواه مسلم)


هذا الحديث يُرسي قاعدة عظيمة في العلاقات الإنسانية:
أن المؤمن الحق، لا ينتظر أن يُصاب ليشعر بألم أخيه،
بل يكون حاضرًا بقلبه وروحه، حين يضعف الآخر،
ويكون ناصرًا له ولو لم يمرّ بنفس التجربة.

اخيرا

لا تعاتب من ابتعد وقت ألمك،
فالشدائد لا تُعرّينا فقط، بل تعرّي من حولنا.

تمسّك بمن بكى لألمك وهو موجوع،
لا بمن عاد حين شعر بنفس الطعنة.

واجعل حزنك غربالًا تفرز به القلوب،
لا سيفًا تجرح به ذاتك.

> ما خذلك الوجع، بل كشف لك من كان يتزيّن بالحب وهو لا يحمله،
ومن حمل وجعك كأنه وجعه...
فازرع في قلبك امتنانًا لمن بقي، واغلق الباب على من عاد فقط لأن الدور جاء عليه.


فالختام

اللهم لا تعلق قلوبنا إلا بمن يحبنا فيك، ويثبت معنا في فرحنا وحزننا،
اللهم ارزقنا من يعيننا في ضعفنا، ويسندنا في محنتنا،
ولا تجعلنا نحتاج من لا يشعر بنا إلا إذا تألّم.
اللهم طهّر قلوبنا من التعلق بغيرك،
واجعلنا ممن يفرزون النقاء من الزيف، والصدق من الادعاء،
وامنحنا نورًا نميز به الخبيث من الطيب.