الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٨ يوليو-٢٠٢٥       13530

بقلم: د. احمد المنصوري

في عالم يفيض بالمنتجات وتتزاحم فيه العروض والخيارات المتنوعة، لم يعد الشراء مجرد فعل استهلاكي فقط، بل أصبح بمثابة قرارًا بيئيًا وثقافيًا يُترجم بالقيم (Values) لدى الأفراد، التي تعكس المبادئ والمعتقدات وأيضا توجه سلوك الأفراد، وتحدد ما يعتبره المجتمع مرغوبًا فيه أو غير مرغوب فيه، ومنها مثلا المسئولية تجاه المحافظة على البيئة ومدى سلامة كوكبنا للأجيال القادمة، وكذلك بعض الشركات والمؤسسات تتبنى قيماً وسياسات تهدف إلى المحافظة على البيئة وتقليل الأثر البيئي، وتشكل قضايا البيئة لديها ليست بندًا إضافيًا، بل روح تُوجّه القرارات، وتلهم الابداع، وتصنع الفارق في العلامة التجارية، ولهذا تُعد من النماذج الرائدة في الاستدامة البيئية.

تشير الدراسات والإحصائيات ومنها  Yankelovich Inc & Red Crow Marketingبأن إجمالي الرسائل التسويقية التي يتعرض لها الفرد يوميا، سواء رقمية أو تقليدية يقدر بين 4.000 إلى 10.000  رسالة وليس شرط ان يكون إعلان مباشر، ولهذا يتضح لنا أهمية عملية التوعية والتثقيف، ولماذا نحتاج إلى وعي استهلاكي؟ والإجابة تكمن في أهداف حملات التوعية (Awareness Campaigns) ومضمونها مثل تقليل الانفاق المالي أو الترشيد الاستهلاكي، وهناك ما يتعلق بالجانب البيئي، لأنه ينتج سنويا ما يزيد عن (2) مليار طن نفايات ولكن 13% الذي يُعاد تدويره، ويقدر إجمالي البلاستيك الذي يوجد في البحر بـ (11) مليون طن سنويًا تتسبب في موت الحياة البحرية، وبسبب تلوث الهواء يموت عدد (7) ملايين شخص سنويًا، وبلاشك فإن تلك الأرقام تكشف فشلنا في إدارة استهلاكنا، وتُحتم علينا تبني نهج بيئي مسؤول للحفاظ على البيئة والناس.

عاداتنا اليومية قد تبدو بسيطة، لكنها تصنع أثراً بيئياً عميقاً، بسبب انها تتراكم يومًا بعد يوم، وتتحول بعض العادات السلبية لتشكل نفايات وتلوث بيئي، مما يجعلنا نحتاج إلى توضيح وبيان مدى تأثير وأثر الاختيارات والبدائل أو بمعنى أدق عملية اتخاذ القرار (Decision-making) فكل قرار نتخذه، من لحظة التفكير وحتى لحظة الشراء، هو بذرة، إما أن تنمو نحو الاستدامة أو تتحول إلى نفاية، إن وعي المستهلك اليوم هو المفتاح، فعندما نختار بوعي فنحن نُحدث فرقًا، ونبني مستقبلًا بيئيًا أفضل، ومن هنا تتقاطع قراراتنا الاستهلاكية مع علم التسويق، الذي لم يعد يروّج للمنتجات فحسب، بل بات يصنع قيماً ويوجه السلوك، فكل عبوة، وكل إعلان، وكل رسالة تسويقية، إما أن ترفع الوعي أو تساهم في التلوث، لذلك دعونا لا نبيع أو نشتري مجرد منتجات، بل نُسهم في بناء وعي بيئي، ونُروّج لسلوك مستدام، ونزرع قيماً تحفظ كوكبنا.

الشعور بالمسئولية جعل بعض الشركات والمؤسسات تتبنى التسويق الأخضر(Green marketing)، عن طريق ربط القيم المشتركة بينها وبين العميل، وأصبحت استراتيجياتها تعتمد على مفهوم نحن اصدقاء البيئة بطريقة إبداعية ، ولأهمية ذلك سوف يتم التطرق بأمثلة توضيحية إلى التسويق الأخضر وارتباطه بالإبداع والابتكار في المقال القادم، كما أنه مع التطور والتقدم التكنولوجي يتم استخدام تقنيات وأساليب تسويقية حديثة تحقق التوازن بين الربح والعملاء والمجتمع، وهذا يجعلنا نعيد صياغة علاقتنا بالتسوق، لا كعملية شراء وإنما كـ موقف واعٍ تجاه البيئة، لأن رحلة التلوث والنفايات تبدأ منذ لحظة اختيار المادة، وقبل أن نفتح المنتج، أو اختيار الكيس المستخدم، ومن هنا تنطلق صناعة النفاية في كوكبنا من خلال ممارسة عادات استهلاكية غير صديقة للبيئة، أو بسبب تسويق غير واع أو مسؤول مثل:

تغليف مبالغ فيه لجذب العين لا لخدمة المنتج.

إعلانات تروّج للاستهلاك المفرط دون اعتبار للأثر البيئي.

تقليل التكلفة وزيادة الأرباح عن طريق استخدام مواد رخيصة لا تتحلل.

تظل المنافسة في الأسواق هي المحرك الرئيس نحو التميز، ويتجلى الإبداع في المؤسسات التي أدركت أن النجاح لا يُقاس فقط بالأرباح، وإنما بجودة الاختيار وكفاءة استقطاب الكفاءات، فالتوظيف الفعّال ليس مجرد عملية إدارية، بل هو استثمار استراتيجي في العقل البشري الذي يقود التغيير ويصنع القيمة، وفي ذات السياق، يبرز علم التسويق كقوة محركة قادرة على إعادة هندسة العلاقة بين المستهلك والمنتج والبيئة، عبر قرارات قيادية واعية تنطلق من رؤية شاملة تُدرك أن السوق ليس ساحة للربح فقط، وانما منظومة يجب أن يربح فيها الجميع، ومن هنا تأتي أهمية التوجه التسويقي (Marketing Orientation) كمنهج متكامل، لا يقتصر على ترويج المنتج، وانما إيجاد أنشطة وممارسات تُحقق الأهداف الربحية والتنموية معًا، وذلك ضمن إطار يُوازن بين النمو الاقتصادي والأثر البيئي، ويُعيد تعريف الاستدامة كأهم مؤشرات النجاح في الأسواق الحديثة.