بقلم: أحمد الدليان
في قلب الصحراء، حيث تتعلّم الرمال من الشجر الصبر، ويتقن الغيم الإنصات لصدى البدو، وُلد صوتٌ لا يشبه سواه. خرج من سكون البادية كما تخرج القصيدة من رحم الولاء، لا لتصف المكان… بل لتصبحه. خلف بن هذال، ذلك الشاعر الذي لم يكن ليروي قصصًا، بل كان هو القصة. قصيدة تمشي، وصدى يمشي على قدمين، وراية تنبض بالحبّ للأرض والقيادة.
ولد في ساجر، البلدة التي تصوغ أبناءها على مهل، كما تنحت الريح وجوه الجبال. عام 1943 كان موعدًا لولادة نبرة مختلفة، نبرة تحمل في نسيجها شيئًا من هدير العاصفة، وطمأنينة السكون بعد المطر. ومنذ بواكير وعيه، كانت البادية مدرسته الأولى، وتُربَة الوطن هي المعلّم الأول… تعلّم منها كيف يُقال الشعر لا بأوزانه، بل بمواقفه، ولا ببلاغته، بل بصدقه وانتمائه.
لم يكن الشعر عنده ترفًا لغويًا، بل سلاحًا ناعمًا تُشهَر به القيم، وتُستعاد به الهِمَم. كانت كلماته تحفر طريقها كما يحفر السيل مجراه في الوادي، بلا استئذان، وبلا خوف. وكل بيت كان يخرج منه، كأنما وُلِد ليبقى، ليُردَّد في المجالس، وفي الأزمات، وفي لحظات النشيد الوطني الداخلي الذي يحتاجه الإنسان ليطمئن أن الوطن باقٍ، وأن الصوت لا ينكسر.
في اللحظات الحاسمة، كان خلف بن هذال هو من يتقدّم القصيدة، لا ليتغنّى، بل ليُلهب. لا ليتجمّل، بل ليُجنّد الحروف في صفوف المعنى، وليقف بين الصفوف كجندي من نوع آخر… شاعرٌ يحمل قلمه كما تُحمل البنادق، ويطلق أبياته كما تُطلق الصيحات في ميادين الشرف.
قصيدته الشهيرة:
“يالله بمانك من النكبات تامنّا
والدار بحماك تمّنها وتامنها”
ليست مجرد أبياتٍ تُحفظ، بل هي نشيدٌ يرتّل على إيقاع الخطر، وهدوء ما قبل العاصفة. كانت القصيدة عنده وسيلة نجاة، كما كانت وسيلة بقاء، وكأنها قسم ولاء تُعلنه الكلمات باسم كل مَن سكن هذه الأرض الطاهرة.
كان حضوره على المنابر أشبه بصعود البدو إلى أعالي الهضاب لينادوا على القوافل: أن استفيقوا، الطريق ليس آمنًا، ولكن الروح جاهزة، والحب للوطن لا ينام. كانت قصائده رايات ترفرف، وحروفه تشبه الخيول العربية في عدوها… أنيقة، شرسة، ولا تقبل الانكسار.
ولم يكن يكتفي بالتعبير، بل كان يتقمّص اللحظة حتى تغدو الكلمة جسدًا ينبض. يحرّك يده فتتحرك المعاني، ويرتفع صوته فتنهض الحماسة من رقدتها. لم يكن يلقي الشعر… بل كان يُشعل القصيدة، ويوقظ في النفوس جذوة الفخر والولاء.
وفي كل بيت قاله، كانت هناك سارية ترتفع، وصوت يلتف حوله الناس كما يلتفون حول النار في ليالي الشتاء. وكما قال في واحدة من أشهر قصائده:
“يا وطنّا يا وطنّا عمت عين الحسود
ما تهزّك لا زوابع ولا غدر عملا”
لم تكن المبالغة من طبعه، بل كانت الصورة مرآة الواقع. تلك القصيدة كانت الوطن نفسه وهو يتكلّم، يثبت، ويقاوم، ويصدح باسمه في وجه كل عاصفة.
حتى حين غاب عن المنابر، بقي صوته حاضرًا. في ذاكرة الناس، في الأناشيد، في المجالس، في المدارس، في المحافل الوطنية، وفي دمعة تترقرق حين يُقال اسمه. لا لشيء، سوى لأنه اختصر في حياته ما تعجز عنه الكتب: أن تكون الكلمة وطنًا، وأن يكون الشاعر هو الوطن حين يخذله الجميع.
خلف بن هذال ليس مجرّد شاعر… بل هو شاهد على زمنٍ لا يُنسى، وساردٌ لبطولاتٍ لا تُمحى، وحنجرة صدحت فوق الرمال فسمعها الحجر والنخيل والماء والإنسان. شاعرٌ من طين الأرض، وملحها، ودمها، لا يصمت وإن صمتت القوافي، ولا يتوارى وإن أُطفئت الأضواء.
وإن أردت أن ترى معنى الانتماء يتجسّد في صوتٍ، ويتجلّى في بيتٍ من شعر… فأنصت لخلف بن هذال، كأنك تُنصت إلى الوطن وهو يبوح، ويقسم، ويُطمئن أبناءه بأنه سيظل… ما دام في القلوب نبض، وفي الحناجر صدق