الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٧ يونيو-٢٠٢٥       20790

بقلم: عيسى المزمومي

في عمق التحولات الاجتماعية التي تجتاح العالم العربي، تبرز ظاهرة الكذب كأحد أبرز ملامح الخلل القيمي والسلوكي الذي أصاب المجتمعات، لا بوصفه سلوكًا فرديًا طارئًا، بل باعتباره نمطًا ثقافيًا متجذرًا يُمارَس ويُكرَّس بوعي أو بلاوعي، حتى أصبح في كثير من الأحيان مفتاحًا للنجاة، وأداةً للترقي، بل لغةً خفية تُفهم ضمنيًا في تفاصيل الحياة اليومية!

ليس الكذب هنا مجرد تحريفٍ للحقيقة، بل هو انعكاس عميق لانهيار منظومة القيم، وتبدل معايير النجاح والاحترام والمكانة الاجتماعية، لقد باتت الصدق يُنظر إليه باعتباره سذاجة، والوضوح نوعًا من الحماقة، بينما يُحتفى بالمخادعين والمنافقين وكأنهم أبطال المرحلة، من المجالس العائلية، إلى المؤسسات الفارغة، وصولًا إلى منابر الإعلام وغيرها، يتسلل الكذب في عباءة اللباقة، ويُلبَس ثوب الحكمة، ويُسوّق باعتباره ضرورة اجتماعية!

في كثير من المجتمعات العربية، تتآزر القبلية والتعصب والولاء الضيق في إنتاج بيئة خصبة للكذب والتضليل، الخوف من تفوّق أحد أبناء القبيلة أو المجتمع يدفع البعض لمحاربته سرًا، لا لشيء سوى لأنه اجتهد ونجح، لا يُقابل النجاح بالتقدير، بل بالحسد والتقليل والتشكيك، تُهمّش الكفاءة، وتُقصى الأخلاق، ليفسح المجال أمام أصحاب العلاقات، والوجوه المتملقة، و"المجاملات الفارغة"!

الواسطة، بدورها، ليست مجرد تجاوز لقانون أو تقديم أحد دون وجه حق، بل هي فعل كذب مركّب: كذب على الذات، وكذب على المجتمع، وكذب على القيم التي نزعم أننا نتمسك بها. هي التي جعلت الفاشل يتسلق المناصب، وأقصت من يستحق، فانهارت المنظومة الإنتاجية، وتآكلت روح المبادرة، وامّحت الحدود بين الحقيقة والزيف، والمقلق في هذا كله أن الكذب لم يعد يُمارس بخجل أو تردد، بل بتفاخر واعتداد، وكأنه مهارة اجتماعية، أو "ذكاء اجتماعي" كما يسميه بعضهم، لقد أصبح معيار البقاء ليس هو الصدق أو الإتقان، بل قدرتك على "اللعب" بالأقنعة، وتقمص الأدوار، وركوب الموجة، هنا، تبرز المفارقة الموجعة: مجتمعات تنتمي في ظاهرها إلى منظومة أخلاقية مستمدة من الدين، ترفع شعارات الإسلام والحق والعدل، لكنها في عمق سلوكها اليومي تخالف تلك القيم بشكل صارخ، فكيف نفهم هذه الفجوة بين المبدأ والممارسة؟ وهل بات الكذب ضرورة للعيش، أم مرضًا مزمنًا لا نملك جرأة الاعتراف به؟!

في فلسفة الحقيقة، يُقال إن الصدق ليس مجرد قول الحقيقة، بل هو أن تكون الحقيقة نمط حياتك. أما الكذب، فليس مجرد نطق بما يخالف الواقع، بل أن تعيش ازدواجية داخلية، تُظهر غير ما تبطن، وتسعى إلى ما لا تؤمن به، ومتى ما أصبحت المجتمعات تعيش هذه الحالة المزمنة من الانفصام، فهي تمضي نحو التآكل البطيء من الداخل، مهما زينت نفسها بالشعارات والرموز والمظاهر! 

لقد آن الأوان لأن نسأل أنفسنا: كيف وصلنا إلى هذه المرحلة من التزييف الجمعي؟ هل أصبحنا نخشى الحقيقة إلى هذا الحد؟ وهل نملك الشجاعة لنواجه أنفسنا، لا لنتطهر من الكذب فقط، بل لنستعيد معنى الإنسان فينا؟ إن استعادة القيم ليست مهمة الواعظ وحده، ولا المثقف فقط، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من لحظة صدق مع الذات، لحظة نقرر فيها أن نعيش كما نؤمن، لا كما يُفرض علينا، وأن نعيد الاعتبار للكلمة، للنية، للضمير، فالكذب، على الطريقة العربية أو غيرها، لا يُنتج حضارة، ولا يُشيّد مستقبلًا، إنه طريق مختصر للهروب، لكنه دائمًا طريق مسدود، واهٍ بس!