الكاتب : الدكتورة: يسرى التمراوي
التاريخ: ٢١ يوليو-٢٠٢٣       52470

وضعية القص و القصاص

بقلم:د. يسرى التمراوي

أستاذ مساعد أدب عربي قديم

إنّ النّاظر في فنّ القصّ عند العرب قديما تستوقفه الأشكال الفنّية التي زخرت بها كتب الأدب. فنجد حكايات أيّام العرب، تلك التي تهفو لها النّفوس والحديث عن شجعان القبيلة وتصوير معاركهم وسيوفهم التي لا تهدأ. لطالما حفلت كتب الرواة والقصّاص بأيّام العرب كحرب داحس والغبراء وحرب البسوس وأيّام الفجّار واختلط التّاريخ بالخيال. إلى جانب القصص التي تصوّر حياة الأشخاص وبطولاتهم وقيمهم السائدة آنذاك كالكرم والوفاء والشّجاعة، وقد حضرت حكايات العشّاق وملأت النّصوص وأشهرها قصّة "مضاد الجرهمي وابنة عمّه مي". ولم يكن القاصّ آنذاك وفيّا للحدث التّاريخيّ بقدر احتفاله بالتمجيد والتشويق. وعلى هذا النّحو لم تكن العرب أمّة سطحية الفكر بل كانت عميقة الخيال ومعبّرة عن شواغلها وهو ما يتجلّى في التّراث الذي وصلنا رغم ضآلته بسبب عامل الشفوية وأسباب أخرى. وليس من باب الاكتشاف في شيء إذا قلنا أنّ هذه الأسباب الأخرى تعود إلى تحوّل القصّ خاصّة مع ظهور الدّين الإسلاميّ.
وأبرز مصنّف تناول هذا الموضوع هو "كتاب القصّاص والمذكّرين" لصاحبه أبي الفرج بن الجوزيّ. وبالعودة إلى هذا الأثر استوقفتنا قراءة ابن الجوزيّ لفنّ القصّ ومحاولة تقنينه وجعله ينضوي إلى ما سمّاه بالوعظ والتّذكير. وما عدا ذلك فقد نعته بالقصّ المذموم. وقد حذّر ابن الجوزي من هذا النّوع من القصّ بدعوى أنّه يفسد عقول العامّة ويلهيهم عن تدبّر النصّ القرآنيّ حتّى أنّه وقع التصدّي لهؤلاء ومنعهم من ممارسة القصّ. وقد ألّف السّيوطي كتابا تناول فيه أكاذيب القصّاص وحذّر من افتراءاتهم "تحذير الخواص من أكاذيب القصّاص".
وقد علّل ابن الجوزيّ موقف العلماء آنذاك من هؤلاء القصّاص من أن يخرج السّامع عن الاعتدال وميله إلى اللّهو،
في الحقيقة تبدو الفكرة أعمق من هذا فقد وجد هؤلاء القصّاص مهنة لهم فاتّخذوا من المساجد مكانا يقصّون فيه فانتشر الحديث عن الأنبياء وأعمالهم وأمعنوا في وصف الجنّة والنّار والحور وأشياء أخرى، كلّ ذلك تحت الأسانيد الدّينيّة، وهو ما جعل هذا النّوع من القصّ يجد تقبّلا في صفوف العامّة ويثير عواطفهم ويبعث على الضّحك، من ذلك أنّ قاصّا سئل: "إن اشتهى أهل الجنّة عصيدة كيف تعمل؟ فقال يبعث لهم أنهار دبس ودقيق وأرز ويقال: اعملوا وكلّوا واعذرونا".
إنّ المساس بقداسة المساجد والتجرّؤ بإسناد الأخبار الكاذبة والباعثة على اللّهو هو ما دفع العلماء لاتّخاذ تدابير لازمة تجاه هؤلاء لأنّ قصصهم قد حاد عن وظيفته الأساسية التي تهدف إلى خدمة الدّين آنذاك.
لا بدّ من الإقرار أنّ القصّ آنذاك قد عاش توتّرا إذ نجده من ناحية وظّف للوعظ والتّذكير ومن ناحية أخرى خرج وعدل عن مسار الإرشاد والنّصح. وهو في الحقيقة توتّر مآله طبيعة البنية المتحكّمة في هذا الفنّ "القصّ" حيث كان يعيش صراعا بين مثوله لبنيته الأولى التي تشكّل فيها وهي الثقافة الشفوية وما تقتضيه من قابلية الانفتاح والتحوّل والتغيّر ومن خضوعه للنصّ المكتوب وهو النصّ القرآنيّ.
هكذا عرف العرب قديما منذ العصر الجاهليّ القصّ ثمّ ازدهر في العصور الإسلامية، لكنّ نموّه كان وفق منطق العصر والمجتمع في ذلك الوقت، وظلّ هذا الفنّ هامشيّا لأنّ أغلب القصص تتجه نحو العامة. ورغم محاولات الايديولوجية الرسمية كبح جماح المخيلة الإبداعيّة وإلزام القصص أن يمتثل للسلطة الدّينيّة فإنّ تلك المحاولات باءت بالفشل وتسرّب ذلك الفنّ التخييلي إلى الأدب الرّسميّ الجادّ. إذ لا تخلو منه كتب الأخبار والتّاريخ.