الكاتب : النهار
التاريخ: ١٧ يونيو-٢٠٢٥       15950

بقلم: عيسى المزمومي

في عالمٍ تتكالب فيه المصالح، وتغيب فيه المشاعر خلف أقنعة التظاهر، تظل بعض الأرواح تمشي بيننا كنُدرةٍ بشرية، تحفظ للإنسان قيمته، وللحياة معناها. في زمنٍ صار الوفاء فيه غريبًا، تتجلى صورة الإنسان الأصيل في هيئة رجلٍ يُدعى عبدالله المريسل، المعروف بين محبيه بـ "أبو سعود". هو رجل لم تغيره الأيام، ولم يبع روحه لمجتمعٍ يتقلب مع المصالح كما تتقلب الرياح!
هو ابن قبيلة غامد، ذات الجذور الراسخة في التاريخ، لكنه لم يكن أسير النسب، بل بنى لنفسه مجدًا آخر من الأخلاق والمواقف. غادر الجنوب صغيرًا، ليجد في أحضان الدمام مدينةً تحتضنه وتغرس فيه حب الحياة، والولاء، والانتماء. في حي مدينة العمال، حيث تختلط رائحة الخبز بعرق السواعد، بدأت فصول الحكاية، وهناك تعلّم أبو سعود أن القيم العظيمة لا تُدرَّس في الكتب، بل تُعاش في تفاصيل البسطاء.
في ملامحه يسكن الزمن الجميل، وفي قلبه تتقاطع الذاكرة مع الحكمة. لم يكن مجرد شاهد على تحولات الدمام، بل صار ذاكرةً ناطقة بتاريخها، وسِجلًا حيًا لأحيائها، وأهلها، وأفراحها، وأتراحها. ترى فيه صورة الإنسان الذي لا يحفظ المكان فحسب، بل يصونه، ويحنو عليه، ويعيد تشكيله في وجدان الآخرين.
ورغم ما حققه من نجاحٍ في مجال الأعمال، ظلّ  عبدالله المريسل  وفيًا لجوهره. تأثّر في بداياته برجل الأعمال المعروف الشيخ علي المجدوعي، الذي لم يكن له مجرد قدوة، بل كان بمثابة الأب الملهم، فغرس فيه معاني العطاء، والاتزان، والتواضع، فجاءت تجارته صورةً أخرى من رسالته الإنسانية.
بدأ المريسل مشواره في الإعلام، كاتبًا في فرع وزارة الإعلام بالمنطقة الشرقية، يرصد نبض المجتمع ويترجمه إلى حروف. لكنه، وكأنما شاءت الحياة أن تمنحه منابر أوسع، انتقل إلى فضاء التجارة، دون أن يفقد صوته الإنساني. فما كتبه في بداياته بالحبر، خطّه لاحقًا بسلوكه ومواقفه في دفاتر الناس.
هذا الرجل، الذي لا ينسى أسماء أصدقاء الطفولة، ولا يتجاهل سائلًا أو محتاجًا، لم تُغيّره مكاسب المال، ولا بهرجة الوجاهة. ما زال كما عرفه من حوله: قريبًا من الناس، منصتًا لهم، مبادرًا للوقوف بجوارهم، حريصًا على أن يظل الإنسان هو الأولوية في كل شيء. وفي عصرٍ أصبح فيه الوفاء ترفًا، يظهر أمثال  عبدالله المريسل  كقيم خالدة، كظلّ شجرة وارفة في صحراء قاحلة. يحمل في مواقفه مع أصدقائه، ومع كل صاحب حاجة، معنى نادرًا لإنسانٍ لم يُبدّله الزمان، بل زاده صفاءً وعمقًا.فهل نكتفي بأن نُشير إلى سيرته بالإعجاب؟ أم أن علينا مسؤولية أعمق: أن نُوثّق ذاكرته في كتاب؟ ليس لمجرد تسجيل تاريخٍ فردي، بل لحفظ روح مدينة، وتجسيد فلسفة إنسانية تقول لنا: إن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد الأصفار في الأرصدة، بل بكمّ القلوب التي ما زالت تدعو لك في الخفاء.
" ابو سعود" ، في جوهره، ليس رجل أعمال ناجحًا فقط، بل رجل مواقف وقيم، جسّد كيف يمكن للإنسان أن ينجو من طوفان التغيرات دون أن يُفرّط بجذوره، وكيف يمكن له أن يسمو دون أن ينسى الأرض التي أنبتته. في زمنٍ انهارت فيه الجسور بين الإنسان وأصله، بين المال والمروءة، بين الشهرة والصدق، يبقى "أبو سعود" مرآةً للوفاء، ودليلًا على أن الإنسان يمكن أن يكون تاريخه، ومدينةً تسكنه كما يسكنها.
فلنكتب عنه، لا لتخليده فقط، بل لنتعلم منه كيف نحيا. ولنحفظ حكايةً نقيةً في زمانٍ مُحمّلٍ بالخذلان. ولنُبقي جذوة الوفاء مشتعلة، ولو في سيرة رجل واحد. ربما!!