بقلم: ابن سعران ثامر السبيعي
يُطلق تاريخيًا على أحداث 1990-1991 تسمية “احتلال العراق للكويت”، لكن هذا الوصف قد يفتقر إلى الدقة من منظور لغوي وواقعي، بدلاً من ذلك، يُعد ما حدث غزوًا عسكريًا سريعًا تلته سيطرة مؤقتة لم تتجاوز سبعة أشهر، انتهت بانتصار الكويت الباهر، بدعم التحالف الدولي، وطرد الجيش العراقي المهزوم.
هذه الرؤية تستند إلى قصر المدة الزمنية، المقاومة الكويتية الشجاعة، وغياب أي خضوع أو استقرار إداري، مما يجعل مصطلح “الاحتلال” غير ملائم، خاصة عند مقارنته بحالات مثل فرنسا وأوكرانيا، إن إعادة التفكير في هذه التسمية تكريم لصمود الكويت وانتصارها التاريخي.
استمر الغزو العراقي للكويت من 2 أغسطس 1990 حتى 26 فبراير 1991، أي حوالي 208 أيام فقط، هذه الفترة القصيرة، مقارنة بحالات أخرى، تجعل وصف “الاحتلال” غير متسق مع التصور التقليدي الذي يرتبط بسيطرة طويلة الأمد تتضمن هياكل إدارية مستقرة أو خضوع السكان، في الكويت، لم يتحقق شيء من ذلك، القوات العراقية تسببت في فوضى ونهب، وحاولت فرض سياسات مثل ضم الكويت كمحافظة عراقية، لكن هذه المحاولات بقيت هشة وفشلت أمام المقاومة الكويتية والضغط الدولي.
لم يرضخ الشعب الكويتي للغزاة، “المقاومة الكويتية”، التي ضمت مدنيين ومتطوعين، نفذت عمليات تخريب وجمع معلومات استخبارية، مما أضعف قبضة العراق، الحكومة الكويتية الشرعية، من منفاها، رفضت الاعتراف بالغزو، مدعومة بقرارات الأمم المتحدة، هذا الصمود يتعارض مع دلالات “الاحتلال” في التصور الشعبي، التي قد توحي بخضوع أو تكيف، الكويت لم تكن أرضًا محتلة، بل ساحة مقاومة بطولية.
لغويًا، يُفضل وصف ما حدث بـ”غزو وسيطرة عسكرية مؤقتة”، الغزو هو العملية العسكرية الأولية، كدخول القوات العراقية في 2 أغسطس 1990، بينما الاحتلال يفترض سيطرة مستمرة ومنظمة.
في الكويت، كانت السيطرة مؤقتة وغير مستقرة، حيث لم تتجاوز محاولات إدارية فاشلة، في السياق العربي، قد يُربط “الاحتلال” بفترات طويلة من التكيف مع المحتل، كما في تجارب استعمارية، لكن الكويت شهدت فوضى ورفضًا، مما يجعل “الغزو” مصطلحًا أدق.
لتوضيح هذه الرؤية، يمكن مقارنة الكويت بحالتي فرنسا وأوكرانيا، في فرنسا، بدأ الغزو الألماني في 10 مايو 1940، وسيطرت ألمانيا على باريس بحلول 14 يونيو 1940، مما أدى إلى سيطرة استمرت حوالي أربع سنوات حتى تحرير باريس في 25 أغسطس 1944.
خلال هذه الفترة، أقامت ألمانيا إدارة عسكرية في الشمال وحكومة فيشي الموالية في الجنوب، مع تعاون جزئي من بعض السكان. رغم وجود المقاومة الفرنسية، فإن المدة الطويلة والتنظيم الإداري جعلا وصف “الاحتلال” أكثر انطباقًا من الكويت، حيث لم تتجاوز السيطرة سبعة أشهر بلا استقرار.
في أوكرانيا، بدأ الغزو الروسي في 20 فبراير 2014 بضم القرم، وتوسع في أبريل 2014 ليشمل أجزاء من دونباس، ثم تصاعد مع الغزو الشامل في 24 فبراير 2022، مما أدى إلى سيطرة على حوالي 20% من الأراضي الأوكرانية، حتى اليوم، 10 يونيو 2025، يستمر الغزو في القرم وأجزاء من دونيتسك ولوغانسك وخيرسون وزابوريجيا، أي حوالي 11 سنة منذ 2014، روسيا أقامت إدارات موالية في هذه المناطق، لكن المقاومة الأوكرانية العنيفة والحرب المستمرة تمنعان الاستقرار، هذه المدة الطويلة، مقارنة بالكويت، تجعل مصطلح “الاحتلال” أقرب للوصف، لكن المقاومة القوية تؤكد غياب الخضوع، كما في الكويت.
على عكس فرنسا وأوكرانيا، كانت مدة الغزو في الكويت قصيرة بشكل لافت، مما يعزز فكرة أنها لم تكن احتلالًا تقليديًا، الانتصار الكويتي الحاسم يبرز هذا التمييز. عملية “عاصفة الصحراء”، التي انطلقت في 17 يناير 1991، حررت الكويت في أقل من ستة أسابيع، بحلول 26 فبراير 1991.
هذا التحرير كان تأكيدًا لسيادة الكويت وصمود شعبها. الجيش العراقي تكبد خسائر كارثية، حيث دُمرت دباباته ومعداته، وفر أو استسلم عشرات الآلاف من جنوده، في هزيمة وصفت بأنها إذلال عسكري لنظام صدام حسين، المقاومة الكويتية ساهمت بشكل حاسم، إذ نفذت هجمات وجمعت معلومات سهلت عمليات التحالف، بحلول نهاية فبراير 1991، عادت الحكومة الكويتية الشرعية، معززة إرادة شعب رفض الخضوع.
إن وصف أحداث 1990-1991 بـ”احتلال العراق للكويت” قد يُغفل قصر المدة، قوة المقاومة، وغياب الاستقرار الإداري، مصطلح “غزو وسيطرة عسكرية مؤقتة” يعكس الواقع بدقة أكبر، ويبرز فشل العراق في تحقيق أهدافه، مقارنة بالغزو الألماني لفرنسا، الذي استمر أربع سنوات مع إدارة منظمة، أو الغزو الروسي لأوكرانيا، المستمر منذ 11 سنة مع محاولات ضم، يظهر الغزو العراقي للكويت كحدث عابر لم يرقَ إلى مستوى الاحتلال.
والأهم، انتصار الكويت وطرد الجيش الغازي ليسا مجرد حدث عسكري، بل تعبير عن كرامة شعب صامد استرد سيادته بقوة. إعادة النظر في هذه التسمية ليست تصحيحًا لغويًا فحسب، بل تكريم لتضحيات الكويتيين وانتصارهم الخالد.
@thamer7s