النهار السعودية
حين وقفت أصالة نصري ضد النظام وحيدة، لم تكن تعلم أن روائياً قطرياً في شيكاغو يكتب عنها. حمد حسن التميمي يُطلق روايته «المنتقم: قطار الفرح» من الرياض عملٌ وُلد بين عامَي 2022 و2024 وهو يرافق والدته في علاجها، يكتب بيد ويمسح قلق الروح بالأخرى، محاطاً بأصوات ناجٍ تواصل معه عبر برامج مشفرة تحمي هويته. أنهى كتابتها عام 2024، وانتظر بها حتى سقط النظام عام 2025، ليُطلقها للعالم عام 2026 كأن القدر كان يُعدّ لها موعداً.
تروي الرواية رحلة "راني خليفة"، الطالب السعودي السوري الذي دفع كلمةً قالها عن العدالة في قاعة محاضرات بجامعة دمشق ثمناً فادحاً. لكن ما ينتظره خلف أبواب صيدنايا يتجاوز كل ما يمكن أن يتخيله عقل إذ يصف التميمي بتفاصيل موثقة من تقارير منظمة العفو الدولية تلك الطقوس التي أسماها السجانون "قطار الفرح"، وهي محطات إذلال ممنهجة تُجرّد الإنسان من اسمه وكرامته وإنسانيته قبل أن تُجرّده من حريته. وما يجعل الرواية أكثر إيلاماً أن رحلة "راني" لم تبدأ من الاعتقال بل من حدود تتاجر بالأرواح، حيث وثّق التميمي رحلة عبوره الخطيرة بين شبكات الاتجار بالبشر قبل أن يصل إلى برلين، في مشاهد تجعل القارئ يُدرك أن الجحيم لم يكن خلف أسوار السجن فقط، بل كان يبدأ من الحدود الأولى.
وفي ذروة أحداثها، يُهرّب "راني" ملفاً أمنياً يدين العقيد "عاصم الجبوري" المشرف على التعذيب، لتتحوّل من قصة نجاة فردية إلى مواجهة مفتوحة بين الذاكرة والإنكار أمام محكمة كوبلنز الألمانية.
غير أن ما يمنح هذا العمل طابعه الاستثنائي هو ما كشفه التميمي في فصله الأخير عن أصالة نصري الفنانة التي واجهت النظام السوري بقلب لا يعرف المساومة، وتحمّلت بسبب مواقفها مذكرات توقيف ومحاولات ممنهجة لإسكاتها، فيما اختار زملاؤها بيع أصواتهم للمخابرات واختارت هي "شرف المنفى على ذل الخنوع". يضعها التميمي في مصافّ أم كلثوم التي غنّت للشعب لا للسلطان، وفيروز التي بكت على القدس لا في القصور المذهبة مُعلناً أن أصالة "ضمير حي رفض أن ينحني للعاصفة".
وقد منح التميمي أغنيتها الخالدة «لو هالكرسي بيحكي» روحَ الرواية كاملةً، إذ يتجلى "الكرسي" عبر ثلاث محطات صارخة: الكرسي الخشبي الفارغ في قاعة 204 بجامعة دمشق بعد اعتقال "راني"، والكرسي المعدني البارد في غرفة التحقيق بصيدنايا، وأخيراً كرسي الشهود في محكمة كوبلنز الألمانية. صوت أصالة هو الذي يمنح هذه الكراسي القدرة على النطق، محوّلاً الفن إلى وثيقة إدانة لا تموت.
وفي ابتكار فني غير مسبوق، جعل التميمي فصوله الـ 31 تحمل أسماء مسلسلات سورية شكّلت وجدان الأجيال العربية، من بينها: "طبول الحرية"، "أبناء القهر"، "الندم"، "غزلان في غابة الذئاب"، "قيد مجهول" وبانتظار الياسمين" مرثيةً لعالم درامي كان يصنع الذاكرة الجماعية للعرب قبل أن تحوّله الحرب إلى أرشيف للوجع. أما الغلاف فيحمل وجه المؤثر السعودي طوني الشمري الذي يصفه التميمي بـ"الشقيق الروحي لراني" وجه واحد يتسع لألف انتماء وألف سؤال، مرآة لكل من وُلد في مكان وحلم في آخر.