الكاتب : النهار
التاريخ: ١٣ مايو-٢٠٢٦       3740

بقلم: محمد علي آل يتيم الشهري
تحتل المملكة العربية السعودية مكانةً متميزةً في خارطة التراث الإنساني العالمي؛ إذ يزخر تاريخها الوطني بأكثر من مئة لون شعبي وأداء حركي موثق رسمياً، سُجِّل منها حتى اليوم أحدَ عشر عنصراً في قائمة التراث غير المادي لدى منظمة "اليونسكو". هذا الثراء ليس مجرد رقم إحصائي فحسب، بل هو هوية جماعية تجمع أبناء الوطن وتعبّر عن عمق انتمائهم.
في ظل الثورة الرقمية التي اجتاحت صناعة المحتوى، بات الإنتاج الصوتي أكثر سهولةً وأسرع وصولاً من أي وقت مضى. غير أن الإشكال يظهر حين تتحول التقنية من أداة دعم للفن إلى وسيلة لـ"التشويه السمعي"؛ إذ يُستعاض عن الآلات الإيقاعية الحية بإيقاعات إلكترونية مصنّعة، وتُعالج الأصوات عبر تقنية "الأوتوتيون" معالجةً مفرطة تُفقد العمل طابعه الإنساني، وتنتج نبرةً روبوتية باردة تُضعف حضور الموروث وتشوّه هويته.
وفي ظل هذا التحول، تتزايد الدعوات لإعادة الاعتبار للموروث الشعبي الأصيل في المناسبات والأفراح، والعودة إلى الفنون الحية التي تعبّر عن هوية المجتمع بروحها الحقيقية، بدلاً من الانجراف خلف الشيلات والإنتاجات الإلكترونية التي وإن انتشرت، إلا أنها ساهمت في إبعاد الجمهور عن روح الأداء الحي وإضعاف حضور الفرق الشعبية.
ويزداد الأمر تعقيداً حين تُنفق مبالغ مرتفعة على الإنتاج الصوتي، إذ تجاوزت بعض التكاليف المدفوعة للمنشد الواحد حاجز 150 ألف ريال مقابل عمل لا تتجاوز مدته من 5 إلى 10 دقائق. وإذا ما قمنا بتحليل هذا الرقم، نجد أن التكلفة تقارب 250 ريالاً للثانية الواحدة تقريباً. وهو رقم لا يعكس بالضرورة قيمة فنية موازية، بل يرتبط في كثير من الأحيان بعمليات النسخ واللصق ومؤثرات صوتية مبالغ فيها تُضعف الإبداع وتزيد من حدة التشويه الصوتي.
يحمل المنشد السعودي أمانةً ثقيلةً؛ فهو الوسيط بين الماضي والحاضر، وصوته يحمل ذاكرة المكان والناس. والارتقاء بهذه الأمانة يتطلب الحذر من الانزلاق في فخ التشويه السمعي الذي تفرضه بعض أساليب الإنتاج، مع توظيف التقنية بوعي لخدمة الأصالة لا طمسها. فالفنان القادر على تحقيق التوازن بين الجمال الصوتي وعمق الموروث هو الأجدر بالاستمرارية والتأثير.
إن معالجة هذه الإشكالية تستدعي جهوداً متكاملة على عدة مستويات:
• على مستوى الجمهور: تعزيز الوعي بقيمة الأداء الحي وتشجيع استضافة الفرق الشعبية في المناسبات.
• على مستوى المحتوى: إنتاج توثيق مرئي احترافي يُبرز جماليات الفنون الشعبية ويقدمها بأسلوب معاصر جذاب.
• على مستوى المنظومة: تطوير آليات تنظيم الإنتاج والتسعير بما يحفظ جودة المحتوى ويمنع لأبتزاز التجاري.
تتعالى الدعوات لإعادة الاعتبار للموروث الشعبي الأصيل في المناسبات، والحد من الاعتماد على الشيلات والإنتاجات الإلكترونية الحديثة، تأكيداً على أن الهوية الثقافية لا تُختزل في منتجات صوتية عابرة، بل تُصان في حضورها الحي وامتدادها الأصيل عبر الأجيال.