الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٨ يونيو-٢٠٢٥       8855

بقلم: روان صالح الوذيناني

في كل عام، تُثبت المملكة العربية السعودية للعالم أجمع أنها أهلٌ للمسؤولية، وجديرةٌ بشرف خدمة ضيوف الرحمن. غير أن موسم حج عام 1446هـ لم يكن كسابقيه، إذ ارتقى بمستوى التنظيم والإبهار إلى ذروة تُدوَّن في سجلات المجد، وتُحفظ في ذاكرة الزمن كعلامة فارقة، ونموذج متفرّد في الاحترافية والبذل.

منذ اللحظة الأولى لإعلان بدء الموسم، تحرّكت أجهزة الدولة بخُطى ثابتة ورؤية واعية، تُديرها إرادة قيادةٍ جعلت من خدمة الحجاج رسالةً قبل أن تكون مسؤولية. لقد تجلّى هذا النجاح من خلال التخطيط المبكر، والتكامل المؤسسي، والعمل المتواصل تحت مظلة توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان – حفظهما الله – اللذين حملا على عاتقيهما رفعة الحرمين، وتيسير سُبل العبادة لكل قاصدٍ ومُعتمر.

وقد تصدّرت وزارة الداخلية المشهد الأمني بكفاءةٍ نادرة، فأدارت الحشود الغفيرة بانسيابيةٍ لافتة، وضمانٍ تامّ لسلامة الأرواح والمشاعر. وفي ميدان الصحة، كانت الجهود عظيمة؛ طواقم طبية لا تهدأ، تجهيزات حديثة، واستعدادات لمواجهة الظروف المناخية، تُترجمها فرقٌ ميدانية تجاوزت التعب، ولم تعرف الكلل.

أما وزارة الحج والعمرة، فقد قدّمت للعالم نموذجًا يُحتذى في إدارة الحشود، وتنظيم المسارات، وتأمين الإعاشة والسكن والنقل، بدقة متناهية، وعناية فائقة، من خلال كوادر مؤهلة، ومؤسسات مدربة، تنهل من شعارها الأصيل: خدمة الحاج شرفٌ لا يُضاهى.

ولم يكن للنجاح أن يكتمل دون مساهمة بقية القطاعات، من الدفاع المدني، والهلال الأحمر، والنقل، والهيئات المساندة، الذين قدّموا لوحة وطنية من التكامل، والانضباط، والتفاني. كما برزت هيئة الأوقاف، وهيئة تطوير مكة، وهيئة الاتصالات، بأدوار نوعية في تسهيل الخدمات، وتعزيز البنية التحتية، وتقديم حلول رقمية اختصرت المسافات، وقرّبت الخدمة من حاجٍّ في أقصى الأرض.

ما ميّز هذا الموسم بحق، هو الوجه الإنساني الذي غمر كل تفاصيل المشهد؛ متطوعون يروون العطش، يهدون التائه، يُسعفون المحتاج، ويزرعون الابتسامة، في مشاهد تجسّد القيم السعودية في أبهى صورها.

وقد عبّر حجاج بيت الله، القادمون من أكثر من 180 دولة، عن دهشتهم وامتنانهم، لما لمسوه من رعاية وكرم، وتنظيم فاق التصور، ودقة لم تغفل أدقّ التفاصيل. وما هذا النجاح إلا انعكاس لصورة المملكة التي لا تنظر للحج كواجب تنظيمي، بل كقضية روحية، وشرفٍ خالد، ووعد تُجدد الوفاء به عامًا بعد عام.

إن موسم حج 1446هـ لم يكن حدثًا عابرًا، بل ملحمة وطنية خالدة، يحق لكل مواطن ومواطنة أن يفخروا بها. وسيظلّ يُروى للأجيال القادمة كأحد أنصع وجوه المملكة: حيث تُعانق الروحانية الكفاءة، وتلتقي الإنسانية بالاحتراف، وتُترجم خدمة الحجيج إلى شرفٍ لا يعلوه شرف.

المملكة… حيث الحرمين، وحيث المجد.