بقلم: د. نجوى الكحلوت
حينما تتسللُ نوبة الشقيقة الهادرة (Migraine)، يكون الألم إعصارًا داخليًّا يجتاح الرأس ويقلب كل شيء، يشعر المريض وكأن جمجمته تضيق عليه شيئًا فشيئًا، وكأن أحدهم يضغط بإصبعه على عصبٍ خفيٍّ في عمق الدماغ بلا رحمة، ويشعر المريض وكأن رأسه قد تحوّل إلى ساحة قتال، النبض يتردد في الجمجمة كطبول حرب لا تهدأ!
الضوء يتحول إلى عدو، والصوت إلى مطرقة، والهواء البارد يصبح ثقيلًا لا يُحتمل، حتى الروائح البسيطة تتحول إلى سُيُوفٍ مغروسة في عمق الرأس، يتلوى العقل بين ومضات من الألم النابض، وشعور بالإعاقة، كل حركة، كل صوت، كل فكرة، تصبح عبئًا، لا يُريد المريض شيئًا سوى الظلمة والصمت والانفصال عن هذا الجسد الذي خان راحته، إنها ليست مجرد آلام جسدية، إنها عُزلة قسرية، وصراع مع ألم لا يُرى، ولا يُقدّره إلا من تجرّع مرارة لحظاته وقبع داخل ظلماتِه، على حد قول القائل: "لا يعلم الوجد إلا من يكابده".
حين تبدأ النوبة، يتملك المريض شعور عميق بالضيق النفسي، يرافقه رفض تام للحياة بكل تفاصيلها، كل شيء يبدو ثقيلًا وغير محتمل، وينشأ إحساس داخلي بكراهية صامتة لكل ما حوله، لا عن حقد أو غضب، بل لأن الدماغ لم يعد قادرًا على تحمّل المزيد، يتمنى المريض فقط أن يتوقف الزمن، أن يُطفأ العالم، أن ينسحب إلى ظلام هادئ لا يؤذيه فيه شيء.
وتجدر الإشارة إلى أن النوبات تتفاوت في قوتها بين البسيطة والمتوسطة والشديدة، ويمكن السيطرة على النوبة في بدايتها قبل تمكنها واستحكامها وذلك بأخذ الأدوية المناسبة لكل حالة وكل مرحلة بعد الاستعانة بطبيب مختص، ومراقبة أنواع الأغذية والأطعمة والابتعاد عن الأجواء المثيرة لها كالضوضاء.
ومن الناحية الطبية، تُعتبر الشقيقة اضطرابًا عصبياً معقدًا، يتعلّق بخلل في كيمياء الدماغ وتغيرات في تدفق الدم إلى مناطق محددة من الرأس، كما تشير الأبحاث إلى وجود علاقة بين نوبات الشقيقة وبين مستويات السيروتونين (Serotonin) في الدماغ، مما يفسر التغيرات المزاجية الحادة التي تصاحب النوبة.( )
ومع بدء زوال العاصفة، يعود الوعي تدريجيًّا إلى حالة أشبه بالهدنة، تخف حدة النبض، ويتراجع الشعور بالكراهية، لكن يُخلف الألم إرهاقًا عميقًا، وكأن الجسد خاض معركة خفية، ويظل المريض في حالة من التعب الجسدي والنفسي، أشبه بما بعد صدمة، يحتاج فيها إلى وقت ليستعيد توازنه.
رفقا بمريض الشقيقة، فمعاناته غالبًا ما تُقابل بعدم فهم كافٍ من المحيطين به، مما يضاعف من شعوره بالعزلة، لذا فإن الوعي بهذه الحالة، وتقدير عمقها النفسي والجسدي، خطوة مهمة نحو دعم من يعيشون تحت وطأة نوبات لا تُرى… لكنها تنهش من أرواحهم في كل مرة.