بقلم - إبتسام حمدان
في زوايا الحياة المتقلبة، تشبه أرواحنا ورقة بيضاء نقية، خالية من الزيف، لا تعرف النفاق ولا الكذب. تلك الورقة التي نولد بها، صافية كقلب طفل، تستقبل الحياة بكل براءتها، ولكن لا تمضي الأيام طويلاً حتى تتناثر عليها بقع سوداء من تجارب ومواقف وندوب الذاكرة.
تأتي تلك البقع على حين غفلة، تلطخ الصفاء، لكنها لا تمحوه. فالوقت كفيل بمحو آثارها، والضمير الحي يظل يحاول مسحها، حتى تعود النفس أقرب ما تكون إلى نقائها الأول. إن في داخل كل إنسان طاقة للغفران والتجدد، وقدرة على النهوض من تحت الرماد.
وفي رحلة الحياة، لا يسير الإنسان في خط مستقيم، بل يتلوى في مسارات مجهولة، كما تتعدد ألوان الزهور بين بياض الحياء وصفرة الحذر وحمرة المشاعر وخضرة الأمل وزرقة الحلم. كل يوم نرتدي لونًا مختلفًا، تارة نميل إلى الصمت، وتارة إلى الضجيج، وبينهما نفكر: من نحن؟ وإلى أين تمضي بنا الحياة؟
نتزاحم في تفاصيل الحياة اليومية، ونشعر أحيانًا أن الضيق يخنقنا، فنفكر بالهروب. نهرب من الازدحام، من المسؤوليات، من ضجيج العالم. ولكن الغريب أن هذا الشعور ذاته قد ينتابنا في أقصى حالات الهدوء، حين يصبح السكون مرعبًا، فنشتاق لصوت الحياة، ونشتاق حتى للضجيج.
هي مفارقة نعيشها جميعًا. بيننا وبين أنفسنا حوار لا ينقطع: ماذا نريد؟ ماذا نحلم؟ لماذا نشعر بما نشعر؟ هي أسئلة لا نجد لها دائمًا أجوبة، لكنها تشكل وعينا، وتمنحنا لحظات تأمل نادرة، تُعيدنا إلى تلك الورقة البيضاء التي في أعماقنا.
الحياة ليست إلا مزيجًا من الألوان، من اللحظات الصافية والمرتبكة، من الحياء والجرأة، من الهروب والمواجهة. وكل هذا التناقض، هو ما يجعلنا بشرًا… نخطئ ونصحح، نسقط وننهض، نحب ونتألم، ولكن في كل الأحوال، نستمر في الكتابة على تلك الورقة البيضاء التي اسمها: “نحن”