الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٣ مايو-٢٠٢٥       18150

بقلم- علي بن عيضة المالكي

يعمل ملايين البشر في مختلف الوظائف الأكاديمية في الجامعات والكليات ، والفنية كالهندسة والتصميم والمحاسبة والبرمجة والمهنية كالطب والقانون والتعليم والوظائف الإدارية كالتسويق والموارد البشرية  والحرفية كالرسم والزخرفة، وصناعة المنسوجات والمجوهرات.

 والمهن اليدوية كالبناء والتشييد والأعمال المختصة في مهنة الزراعة مثل المختصين في الغابات والمراعي والإرشاد الزراعي بالإضافة إلى الكثير في أعمال الطرق والتعدين والبترول والموانئ وسكك الحديد، آلاف الوظائف لا يتسع المجال لذكرها إنما نأخذها كأمثلة، أولئك الموظفون  ينتشرون في كل مكان كأسراب النحل، البعض يقدم لعمله مجهودًا يشابه عمل النحلة حين تصنع العسل والبعض لا يقدم ما يشفع له بالبقاء فأداؤه يخلو من السعرات الوظيفية المفيدة،  يختلفون في حجم أدائهم، وطريقة قياس منجزاتهم، البعض تراه ينجز ما يطلب منه ويكتفي بما أنجزه دون أن يهتم لمصير ما آلت إليه النتيجة، البعض الآخر يركز انتباهه على الإنجاز الشخصي بصرف النظر عن نجاح أو إخفاق المؤسسة التي يعمل بها هذا بالطبع يدخل في خانة الأنا والأنا الأعلى ليس هو موضوعنا اليوم ، وقسم آخر لديه وفرة من كل شيء،  وفرة في الإنجاز ووفرة الفكر  وحجم الأداء.

قد تبدو الأمور للموظف المثالي على ما يرام ، أقول تبدو  جيدة وعلى مستوى أفضل فيما يخص طبيعة حجم أدائه في وظيفته وإنجاز مهامه ! ولكن يمكن ألا تكون كذلك على الموظف الذي لم يشتغل على ميثاق المهنة ولم يتدارسه.

الموظف الجيد يحارب من أجل امتلاك الأشياء التي لا يملكها  فتصرّفه نحو نفسه يحدده مدى شغفه بالتميز، وتصرفه نحو وظيفته يجعلها كأنها جائزة يريد الحصول عليها ؛ لذا تجد أولئك الناجحين من الموظفين الفرد منهم ! يضع له مفكرة وجدول أعمال طوال العام يدون فيها منجزاته ومنجزات مؤسسته التي أسهم معها في الفوز والتألق يكون ذلك بصورة يومية ويرصدها أسبوعيًّا وشهريًّا، بيد أنه يذهب إلى أبعد منها فيرسم منجزاته مثل السياسات الاقتصادية تمامًا،  يُجَزِّؤُها كل ثلاثة أشهر يرصد فيها ما تحقق له من أهداف ومنجزات ويعالج ما طرأ عليها من إخفاق.

إن العمل باستمرار للحصول على أداء  غني هو ما يثير حفيظة الموظف الكُفْؤ، لامتلاك أدوات تبرز مهاراته، ومعارفه وتعزز نجاحه وتعمل على تجويد ملفه الاحترافي خلال العام ، بعدها يسهل عليه رصد ما تحقق له.

نحن هنا لا نريد فرض الوصاية عليه لكي نحصل على مختص منضبط ليس إلا ! نلتمس أن نمنحه مساحة من الحرية الملتزمة بالمسؤولية حتى لا يشعر بالخوف أننا نضعه في القفص ، نطمح أن يكون خبيرًا بمصلحته ويعطي الولاء المطلق للمنظمة التي يعمل بها والمنصب المكلف به، هنا يمكننا الحصول على عقلية الوفرة الوظيفية في التخطيط والتنظيم والتقييم والنتيجة.

لقد أثبتت أكثر الدراسات القيادية منها والإدارية أنه كلما كان ارتباط الموظف وجدانيّا وشعر بالأمان والاهتمام في وظيفته، اختار بنفسه أن يكون معها نظرًا للمشتركات التي تحققت بينه وبينها، هي تقدم له الأمان الوظيفي، وهو بدوره يمنحها جل اهتمامه، عندئذٍ تصبح العلاقة متساوية في الأبعاد وتتحقق له بعد  حين الوفرة والإنتاجية والإنجاز بسهولة.

لا ننسى - أيضا - أنّ العادات السيئة في العمل أسهل من العادات الحسنة ويمكنها أن تؤثر على مستوى عقلية الوفرة لديه  إذا ما استسلم لها ؛ لأنها لا تتمازج عادة مع إدراك العادات الحسنة وتتنافر معها ثم يحدث عقبها تسرع في الحكم وضياع للنتيجة، لذلك كله يجب الإدراك والوعي الشامل بأن العادات السيئة عامل هدم لا فائدة منه، وضرورة التخلص منها فرض عين وواجب قسري لا طوعي.

لقد قدّمت أكثر الأبحاث والدراسات المهنية التي أجريت على الموظفين البراهين والأدلة  ورصدت مدى الولاء والمهارة والثقافة تجاه الوظيفة وخلصت إلى: 1/ إذا كانت الوظيفة جيدة! أبهرت الموظف الجدير!  وأعطته اللمعان المناسب يمكن أن يساعده في العبور نحو الابتكارية.

2/ العمل على منحه الاهتمام وتوفير البيئة الخصبة للعمل بكفاءة وفاعلية.

3/عدم التحكم بمصيره ومستقبله وتمهيد الطرقات ليستطيع المرور نحو الإبداع والتميز.

4/  إسداء المساحة المناسبة والكافية لتطوير المستوى المهاري لديه، هذا قطعًا يجعله يفعل الأشياء التي تريدها المنظمة بمزيد من التفوق والغزارة.

إنّ الشيء المهم الوحيد في إظهار القوة والوفرة الوظيفية هو أن يكون بين الموظف ومهنته سرًّا نبيلاً لا يظهر للعامة إذ أنّ طبيعة الإحساس بالقوة نفسها يوفر له الاستجابة السريعة للتوجيهات يقوده إلى أن يجعل وظيفته كفتاة أحلامه ينتقيها بعناية ويختار صفاتها بدقة متناهية.

في الختام

معظم الموظفين الكسولين يفقدون شغفهم بوظائفهم بسبب التذمر الدائم  ويقعون في وحل اللامبالاة؛  لذا هم يصبحون عبئًا ثقيلاً في عدم تطور العمل ويسعون جاهدين لمقاومة التغيير  رغبة في البقاء وعدم التحرك، هذا يصنع مسافة بينهم وبين عملهم ويخلق فجوة تجعلهم يخسرون مكانتهم واهتمامهم بأشغالهم ويستبدلون المنجزات بالمعطِّلات ثم  يسعون جاهدين من خلال الاستياء فما يجري من تغيير في التحويل إلى وظائف أخرى واستبدال وظائفهم الحالية بوظائف مغايرة حتى لو كانت أقل إبداعية عن سابقتها بينما المتميزين  يشعرون بتعطش لمعرفة ما سيأتي من تنظيمات حديثة نظرًا لأنهم مستعدين للتغيير ولا مانع لديهم في التعرف على أنظمة محاسبية عصرية ؛ باعث ذلك! رغبتهم الفولاذية في الإنجاز وتمتعهم بعقلية الوفرة الفائضة.