الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٠ مايو-٢٠٢٥       16170

بقلم- شموخ نهار الحربي 

في مرحلةٍ ما من حياتنا، نقف بين نقطتين متقابلتين؛ نقطة الرضا ونقطة الطموح، بين أن نكون بخير مع ما نملك الآن، وبين أن نطمح للأفضل دائمًا، نُسائل أنفسنا كثيرًا: هل ما أشعر به من قبول لما أنا عليه اليوم يعني أنني توقفت عن النمو؟ أم أن رغبتي في التغيير تعني أنني غير راضية عن حياتي؟ المفارقة هنا أن القبول والتغيير لا يتناقضان كما نظن، بل هما وجهان لحالة داخلية من التوازن، من النضج، من الفهم العميق للنفس.

أن أقبل حياتي لا يعني أنني أراها مثالية، ولا أنني تخلّيت عن أحلامي، القبول لا يعني أنني رضيت بالبقاء في أماكن تؤذيني أو وسط علاقات تُنهكني، بل يعني أنني أدرك تمامًا واقعي كما هو، أراه كما هو دون تجميل أو إنكار، وأختار أن لا أحمّله أكثر مما يحتمل، القبول هو أن أقول لنفسي: هذا مكاني الآن، وهذا ما أستطيع فعله اليوم، دون جلد ذات أو مقارنة مؤذية، دون صراع مع ما لا يمكن تغييره.

لكن في الوقت ذاته، هناك نار داخلية تضيء في صدري، تقول لي دائمًا إنني أستحق الأفضل، إن بإمكاني أن أتطور، أن أغيّر شيئًا، أن أتحرك خطوة، ولو صغيرة، هذه النار لا تنطفئ، وهي ليست نقيضًا للرضا، بل هي امتداده، هي تعبير آخر عن حب الذات، عن الإيمان بأن الحياة لا تنتهي عند لحظة واحدة، وأن ما أنا عليه الآن لا يُلغي ما يمكن أن أكون عليه لاحقًا، من يحب نفسه بصدق لا يرضى بأن تبقى في مكانها للأبد، ومن يحترم ذاته لا يُجبرها على القفز فوق واقعها دون أن تكون مستعدة.

الصراع لا يحدث لأن القبول والتغيير متضادان، بل لأننا نحاول أحيانًا أن نمارس أحدهما بينما نُجبر أنفسنا على قمع الآخر، نقول “سأتغير” بينما نجلد أنفسنا على كل ما نحن عليه الآن، أو نقول “سأرضى” بينما نحاول إسكات رغبة داخلية في النمو، وهذا ما يجعلنا نشعر بالتعب، وكأننا نعيش بشخصيتين مختلفتين في آنٍ واحد، لكن الحقيقة أن التوازن لا يأتي من القمع، بل من الاعتراف، الاعتراف بأنني أحب ما أنا عليه، وأنني في الوقت نفسه، أطمح لما هو أكثر، دون أن يكون أحد الخيارين نفيًا للآخر.

أحيانًا نقبل ظروفنا لأننا لا نملك خيارًا آخر، وهذا لا بأس به، هناك أشياء في الحياة لا نقدر على تغييرها، كخسارة عزيز، أو ماضٍ مؤلم، أو قرار لم يكن بأيدينا، في هذه المواقف، القبول هو شجاعة، هو وعي بأن الرفض لا يعيد شيئًا، وأن السلام مع ما حصل هو الخطوة الأولى للشفاء، لكن في المقابل، هناك مواقف بوسعنا فيها أن نقف ونتحدث ونتصرف ونتغير، وهذه أيضًا شجاعة، أن لا نبقى في أماكن لا تليق بنا، فقط لأننا “تعودنا”، أو لأننا خائفون من التغيير، الشجاعة الحقيقية ليست في أن نختار القبول أو التغيير، بل في أن نعرف متى نحتاج هذا، ومتى نحتاج ذاك.

نضج الإنسان يتجلّى عندما لا يكون خائفًا من الاعتراف بالواقع، لكنه لا يسمح للواقع أن يعرّفه بالكامل، أن يقول: نعم، هذا ما أنا عليه اليوم، لكن ليس بالضرورة أن أكون كذلك غدًا، وأن يضيف: أنا ممتن لكل ما مررت به، لكنني أريد أن أعيش بشكل أعمق، أن أحقق ما أستطيع، أن أرتاح داخليًا دون أن أتوقف عن الحلم.

التوازن  بين القبول والتغيير  هو رحلة داخلية قبل أن تكون قرارًا خارجيًا، هو لحظة صمت نختلي فيها مع أنفسنا ونسألها: ما الذي يمكنني تغييره الآن؟ وما الذي يجب أن أحتضنه حتى إن كان صعبًا؟ الإجابة على هذا السؤال لا تأتي دفعة واحدة، بل على مراحل، مع كل تجربة، مع كل خيبة أو نجاح، مع كل شخص يدخل حياتنا أو يخرج منها، مع كل مرة نبكي فيها وننهض بعدها أقوى.

وفي النهاية، لا أحد يملك هذا التوازن بشكلٍ دائم، ولا أحد يعيش حياة كاملة بلا تناقضات، لكن كل مرة نحاول فيها أن نفهم أنفسنا أكثر، أن نُحبها رغم ارتباكها، أن نُصدق معها، نقترب أكثر من ذلك التوازن، ونتعلم أن الحياة ليست إما أو، بل في الغالب، كلاهما معًا، في نفس اللحظة، في نفس القلب.