الكاتب : النهار
التاريخ: ٠١ مايو-٢٠٢٥       138215

بقلم- أحمد صالح حلبي 

عرف الفرزدق بالشاعر النبيل والعظيم  حتى قيل عنه "لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب، ولولا شعره لذهب نصف أخبار الناس"، "وهو صاحب الأخبار والنقائض مع جرير والأخطل، واشتهر بشعر المدح والفخرُ وَشعر الهجاء". 

والفرزدق الذي جذب شعره الكثيرين لجمال عباراته وبلاغة كلماته على مدى العصور والأزمان، تحمل سيرته العديد من الأسرار التي تحمل الخدع والتحايل، إضافة إلى الغضب السريع، فكانت خدعته الأولى  لنورا وزواجه منها رغم عدم رغبتها منه، فقد "كانت النوار امرأة صالحة وجميلة، لكنها لم تُحب الفرزدق،  قصدته طالبةً منه مساعدتها وتزويجها، فخدعها وتزوّجها، معتبراً أنه أولى بها من غيره"،  وتبدأ القصة حينما قبلت النوار عرض ابن عمها، وذهبت معه إلى الجامع، حيث اجتمع الناس، وقالت: "اشهدوا أني قد وكّلتُ ابن عمي همام بن غالب التميمي في أمر زواجي"، وسرعان ما ردّ عليها الفرزدق قائلاً: "قد أشهدَتكُم أنها قد جعلت أمرها إليّ، وإني أشهدكم أني قد تزوجتها على 100 ناقة حمراء سوداء الحدق".

شعرت النوار بالغدر، ولم تدرِ ماذا تفعل، لكنها استترت من الفرزدق، وهربت منه من دون أن تدري أن العراقيل ستكون كثيرةً أمامها، فقد لجأت إلى شيوخ القبائل في البصرة، حيث تعيش، لكنهم ردّوها، إما احتراماً للفرزدق أو خوفاً من هجاء شعره وبطش قبيلته.

وكانت كلما استجارت بقبيلةٍ من قبائل العرب في البصرة، ردّوها خوفاً من شاعر العرب وشيخ بني تميم، وبنو تميم كانوا أكثر القبائل العرب عدداً، وأشدّهم بأساً، وأوسعهم أرضاً، وأكثرهم أحلافاً.

أما سبب طلاقه لها فهو جرير الذي اجتمع معه لدى الخليفة الأموي الخامس عبدالملك ابن مروان، فقال الفرزدق:

النوار بنت مجاشع ـ يقصد زوجته ـ طالق ثلاثاً إن لم أقل بيتاً لا يستطيع ابن المراغة أن ينقضه أبداً، ولا يجد في الزيادة عليه مذهباً، فقال عبد الملك: ما هو؟

فقال: فإني أنا الموت الذي هو واقع ... بنفسك فنظر كيف أنت مزاوله

وما أحد يا بن الأتان بوائلٍ ... من الموت إن الموت لاشك نائله

فأطرق جرير قليلاً ثم قال: أم حرزة طالق منه ثلاثاً ـ يعني زوجة الفرزدق ـ إن لم أكن نقضته وزدت عليه.

فقال عبد الملك: هات فقد - والله - طلق أحد كما لا محالة،

فأنشد:

أنا البدر يعشى نور عينيك فالتمس ... بكفيك يا بن القين هل أنت نائله

أنا الدهر يفني الموت والدهر خالد ... فجئني بمثل الدهر شيئاً يطاوله

فقال عبد الملك: فضلك - والله - يا أبا فراس، وطلق عليك.

فقال الفرزدق: فما ترى يا أمير المؤمنين؟ 

فقال: وأيم الله لا تريم حتى تكتب إلى النوار بطلاقها.

فتأنى ساعة، فزجره عبد الملك، فكتب بطلاقها

لكنه بعد طلاقه لها أنشد قائلا : 

ندمت ندامة الكسعي لما ... غدت مني مطلقةً نوار

وكانت جنتي فخرجت منها ... كآدم حين أخرجه الضرار

ولو أني ملكت يدي ونفسي ... لكان لها على القدر الخيار

أما لماذا رد شيوخ القبائل النوار الذين استجارت بهم ولم يقفوا معها ضد الفرزدق ، فالسبب في ذلك عائد إلى خوفهم من الفرزدق الذي يرونه "شاعر العرب وشيخ بني تميم، وبنو تميم كانوا أكثر القبائل العرب عدداً، وأشدّهم بأساً، وأوسعهم أرضاً، وأكثرهم أحلافاً".