الكاتب : النهار
التاريخ: ١٧ مايو-٢٠٢٦       2640

بقلم- شادية الغامدي

في وقتٍ لم يعد فيه الناس يسألون كثيرًا عن صحة الأفكار بقدر ما يسألون عن سرعة الوصول إليها، تمدّد الذكاء الاصطناعي بهدوء داخل تفاصيل الحياة اليومية، حتى أصبح حاضرًا في الكتابة والعمل والتعليم والصورة والصوت، بل وحتى في الطريقة التي نفكر بها ونفهم العالم من حولنا.

ولأن التحولات الكبرى لا تأتي دائمًا بصخب، بدا الذكاء الاصطناعي في بدايته مجرد أداة ذكية تختصر الوقت وتسهّل المهام، قبل أن يتضح تدريجيًا أن المسألة أعمق من ذلك بكثير. فنحن لا نقف اليوم أمام تطور تقني عابر، بل أمام مرحلة تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان وعقله، وبين الفكرة ومن ينتجها.

الأمر لا يتعلق فقط بأن الآلة أصبحت قادرة على الكتابة والتحليل والإجابة، بل بأن الإنسان نفسه بدأ يعتاد هذا النمط الجديد من التفكير السريع الجاهز. فبدلًا من البحث الطويل، والتأمل، والمحاولة، بات الوصول إلى الفكرة يتم بضغطة واحدة، وكأن العالم يتحرك بهدوء نحو عقلٍ أقل صبرًا، وأسرع اعتمادًا على الإجابات الفورية.

وربما هنا تكمن القضية الأهم؛ إذ لم يعد الخوف الحقيقي أن تتفوّق الآلة على الإنسان، بل أن يتراجع الإنسان تدريجيًا عن ممارسة قدرته الطبيعية على التفكير والتأمل والتحليل. فالعقول التي اعتادت الطريق المختصر طويلًا قد تفقد مع الوقت قدرتها على طرح الأسئلة العميقة، لا لأنها عاجزة، بل لأنها لم تعد مضطرة إلى ذلك.

لقد اعتادت البشرية سابقًا أن تخشى الآلات حين كانت تهدد الوظائف والأعمال اليدوية، لكن الذكاء الاصطناعي اقترب هذه المرة من مساحة أكثر حساسية؛ من الوعي ذاته. فالخوارزميات اليوم لا تنظم المحتوى فقط، بل تشارك في تشكيل الذوق، وتوجيه الانتباه، وصناعة القناعات، بل وحتى في تحديد ما نراه مهمًا وما نتجاوزه دون انتباه.

ولهذا، فإن اختزال الذكاء الاصطناعي في كونه قضية تقنية فقط يبدو تبسيطًا مخلًا. فالمسألة في جوهرها تمس الإنسان نفسه: طريقته في التفكير، وحدود استقلاله، ومساحة حريته الداخلية وسط عالم تمتلئ فيه القرارات الجاهزة والتوصيات والخوارزميات التي تقترح عليه ماذا يشاهد، وماذا يقرأ، وماذا يقتنع به أحيانًا.

ومع ذلك، لا يبدو المستقبل معركة تقليدية بين الإنسان والآلة كما تصوّرها السينما، بل اختبارًا أكثر هدوءًا وعمقًا: هل يستطيع الإنسان أن يستخدم التقنية دون أن يتنازل تدريجيًا عن دوره العقلي والإنساني؟

وفي تقديري، فإن أخطر ما قد يحدث مستقبلًا ليس أن تصبح الآلة ذكية إلى هذا الحد، بل أن يعتاد الإنسان أن يفكر من خلالها أكثر مما يفكر بنفسه.

وعند تلك اللحظة، قد لا تكون المشكلة في قوة الذكاء الاصطناعي… بل في ضعف علاقتنا بعقولنا نحن.