بقلم- مـيّ بنت فلاح الحارثي
السجع الكتابي ما بين الذم والمدح، ظلّ يتأرجح في ميزان الذوق والنية، فهو ليس زينة لغوية فقط، بل نبرة خفية تنقل موقف الكاتب، وتفضح ملامحه الحقيقية، متى ما خُدم به المعنى، صار بُعدًا فنيًا، ومتى ما أُقحم، انقلب إلى قيدٍ يشلّ الجملة ويُربك المعنى.
وتنطلق الهلوسة الرديّة من المتلقي، حين تُسلَب منه أدوات التذوّق، أو حين يغيب عن وعي التأمل ويكتفي بالسطح. هناك قارئ يقرأ ليسمع صدى أفكاره، وآخر يقرأ ليكتشف ذات الكاتب، وبينهما متذوّق يزن الكلمة بمكيال الروح.
أما الإسهاب في دواخل الشاعر العربي، فهو شجنٌ لا يهدأ، ودهشة لا تخبو، لا يسهب لأنه يجهل الاختصار، بل لأنه يرى في كل كلمة حكاية، وفي كل صورة احتمالًا لفهمٍ لم يُقَل بعد. هو لا يكتب ليُعجب، بل ليُشفى، يتكئ على المجاز كما يتكئ العاشق على ذاكرةٍ لا تخون.
وهكذا، بين حرفٍ يُتعبنا وآخر يُذهلنا، نظل نبحث عن المعنى… في زمنٍ اختلط فيه الصدى بالصوت، وتحوّل فيه السجع من فن، إلى فخ.