بقلم: د. غالب محمد طه
في مقالها الأخير على منصة لينكد إن، تناولت الدكتورة تماضر صالح، الخبيرة في مجالات الاستدامة وتقييم الأثر البيئي، أهمية قياس الانبعاثات الكربونية باستخدام وحدة CO₂e. قدَّمت شرحًا وافيًا لكيفية حساب الانبعاثات من خلال جمع البيانات عن استهلاك الوقود أو الكهرباء، وتطبيق عامل الانبعاث، مما يسهل فهم التأثير البيئي الناتج عن الأنشطة اليومية. كما سلطت الضوء على فوائد قياس الانبعاثات في تحديد النقاط الحرجة التي ينبغي العمل على تقليصها، مما يعين الأفراد على اتخاذ قرارات أكثر استدامة. إن رؤيتها للبيئة تساهم في تعزيز الوعي العام بالترابط بين الأرقام وواقع حياتنا اليومية، وهي نقطة مهمة تدعونا للتفكير في تأثيرنا البيئي.
هذه الفكرة جعلتني أتساءل: ماذا لو كانت مشاعرنا الطيبة تحمل نفس الإمكانية؟ ماذا لو استطعنا أن نقيس الحب والإيجابية تمامًا كما نقيس التلوث؟
في الواقع، قد يكون من الصعب قياس الحب والإيجابية بالأرقام كما نفعل مع انبعاثات الكربون، ولكن التأثير الذي تتركه هذه المشاعر يمكن أن يُشعر به على المدى الطويل في العلاقات الإنسانية والمجتمعات. الحب، رغم أنه لا يُقاس بالأرقام، يمكن أن يتجسد في أفعالنا اليومية، مما يجعل تأثيره ملموسًا في حياة من حولنا.
ويشير علماء النفس إلى أن الطاقة الإيجابية ليست مجرد شعور عابر، بل هي قوة قادرة على إحداث تغيير عميق في حياتنا. قد يكون من الصعب قياس الحب والطاقة الإيجابية كما نفعل مع الانبعاثات، لكن تأثيرها الحقيقي يظهر في سلوكنا وأفعالنا اليومية. الحب والإيجابية يمكن أن يكون لهما تأثير ملموس في تحسين علاقاتنا وتغيير بيئتنا الاجتماعية بشكل إيجابي، حتى وإن لم نتمكن من قياسها بأرقام.
دعونا نأخذ فكرة "وحدات الحب" كما لو كنا نقيس الانبعاثات: مثلاً، الابتسامة تعادل 10 وحدات حب، وكلمة التشجيع قد تساوي 25 وحدة حب، والمساعدة لشخص ما قد تصل إلى 50 وحدة حب. لو طبقنا هذه الفكرة في حياتنا اليومية، لوجدنا أن أفعالنا الطيبة تترك تأثيرًا أكبر مما نعتقد.
إليكم مثالًا بسيطًا: إذا ابتسمت عشر مرات طوال يومك، فهذا يعني أنك أضأت 100 وحدة حب في حياتك وحياة الآخرين. وإذا شجعت خمسة أشخاص بكلمات طيبة، فأنت تضيف 125 وحدة حب. وإذا ساعدت شخصًا، فقد أضفت 50 وحدة حب أخرى. في النهاية، يصبح مجموع "وحدات الحب" الخاصة بك 275. كل رقم يعكس شعورًا حقيقيًا، وتأثيرًا ملموسًا على من حولك.
لكن هنا تكمن الجمالية: الأرقام ليست هي القصة الكاملة. إنها تعكس في الواقع نوعًا من الطاقة الحقيقية التي يمكن أن تغير الأجواء المحيطة بنا. وكلما أدركنا هذا، كلما أصبحنا أكثر وعياً بتأثير أفعالنا اليومية.
علاوة على ذلك، الأبحاث تظهر أن الأفعال الطيبة لا تؤثر فقط على الأشخاص الذين يتلقونها، بل تعود بالنفع أيضًا على من يقدمها. فالإحساس بمساعدة الآخرين يمكن أن يقلل من التوتر ويعزز شعورنا بالسلام الداخلي. وعندما نفكر في "وحدات الحب" التي نقدمها، نبدأ في إدراك أننا جزء من تأثير أكبر يمكن أن يحدث فرقًا حقيقيًا في حياتنا وحياة الآخرين.
إذا تخيلنا عالمًا يعيش فيه الجميع وفقًا لهذا المبدأ، سيكون لدينا مجتمع أكثر توازنًا وسعادة. ليس فقط لأننا نشرنا الإيجابية، ولكن لأننا خلقنا بيئة تضمن أن مشاعر الحب والعطاء تصبح جزءًا أساسيًا من حياتنا اليومية.
التعاليم الإسلامية أيضًا تشجعنا على هذا الفكر. وهو ما يتسق تماماً مع الحديث النبوي الشريف : "تبسمك في وجه أخيك صدقة". فهو يجسد بالتأكيد الفكرة الجميلة التي نناقشها: فالحب ليس مجرد شعور داخلي، بل يعتبر طاقة حية تتجسد في تصرفاتنا وكلماتنا، وتؤثر فيمن حولنا، لذا، دعونا نبدأ اليوم في نشر هذه الطاقة الإيجابية في كل مكان، من خلال أفعالنا وكلماتنا من أجل استدامة عاطفية تعزز التفاهم والتواصل الصحي بين أفراد المجتمع.