الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٤ يناير-٢٠٢٥       15840

بقلم: د. غالب محمد طه

"ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يوم، ذهب بعضك؛" هذه الكلمات الخالدة التي قالها الحسن البصري تحمل في طياتها حكمة أزلية، تدعونا للتفكر في طبيعة الزمن؛ هل نعيشه بوعي لنترك أثرًا نُذكر به؟ أم نتركه يمضي كالرمل يتسرب من بين أيدينا دون أن نشعر؟
مع انقضاء نصف العام الهجري، نقف للحظة تأمل؛ لم تكن الشهور الماضية مجرد تواريخ تُطوى أو أرقام تُسجل، بل كانت فرصة للتفكير في مسارنا والتأمل في المستقبل بأمل؛ كما أن الهجرة النبوية، التي يبدأ بها التقويم الهجري، لم تكن مجرد حدث تاريخي، بل كانت نقطة تحول غيّرت مسار البشرية، وبداية جديدة حملت في طياتها الأمل والتغيير؛ التقويم الهجري هو جزء من هويتنا وذاكرتنا الجمعية، وكل يوم جديد يمثل لنا فرصة لإعادة التفكير في مسارنا؛ هل نحن على الطريق الصحيح؟ هل تحققنا من التغيير الذي طمحنا إليه مع بداية هذا العام؟
القيمة الحقيقية للزمن لا تقاس بحجم الإنجازات، بقدر ما تقاس بمدى عمق تأثيرها واستدامتها؛ قد نقضي سنوات نلاحق أهدافًا كبرى لنكتشف أن أثرها محدود، بينما تحمل خطوة صغيرة بنية صادقة تغييرًا عظيمًا؛ المهم ليس أن نحقق كل ما خططنا له، بل أن تكون خطواتنا ذات معنى وقيمة.
وفي حياتنا اليومية، قد تبدو بعض الأفعال الصغيرة غير مؤثرة، لكنها قد تحمل في طياتها قوة التغيير؛ كلمة طيبة لشخص يعاني، أو مساعدة بسيطة لجار محتاج، قد تكون بذورًا تنمو لتصبح شجرة مثمرة؛ كما بدأت الهجرة النبوية بخطوة واحدة، فإن كل تغيير كبير في حياتنا يبدأ بخطوة صغيرة لكنها صادقة.
ليس المهم أن تكون خطواتنا ضخمة أو أن نحقق إنجازات كبرى فورًا؛ المهم هو أن نبدأ، وأن تكون نوايانا صادقة، لأن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل؛ الزمن ليس خصمًا يلاحقنا، بل هو رفيقٌ صامتٌ يمنحنا الفرصة لتغيير أنفسنا والعالم من حولنا؛ ومع كل لحظة تمر، يصبح السؤال: هل استغللنا هذه اللحظة كما ينبغي؟ هل نعيشها بوعي وتركيز، أم نتركها تمر دون أثر؟
حتى إذا لم يكن العام كما أردناه، فإن الزمن يمنحنا دائمًا فرصة جديدة لإعادة ترتيب أولوياتنا؛ ربما تكون البداية بسيطة: التأمل في الصباح، تحسين علاقة متوترة، أو اتخاذ قرار ينقلنا خطوة واحدة نحو أهدافنا؛ المهم ألا ندع اللحظات تضيع بلا معنى.
فلنحتفل، إذًا، بتلك اللحظات التي نعيشها؛ فهي ليست مجرد أيام تمضي بل فرص حقيقية للتغيير؛ لا تستهن بأي خطوة صغيرة، فكل لحظة تحمل إمكانيات قد تغير مجرى حياتك؛ هل نحن مستعدون للانتقال إلى المرحلة التالية من حياتنا؟ لن نتوقف عند النقطة الحالية؛ كل يوم هو بداية جديدة لنكتب فيه قصة نجاحنا؛ فلنبدأ اليوم، ولنحرص على أن يكون كل يوم يحمل معنى حقيقيًا لنا.
فلنعمل، إذًا، لنقدم أعمالنا ليرى الله عملنا ورسوله والمؤمنون، كما قال تعالى: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فإن كل خطوة نخطوها بنية صادقة قد تحمل في طياتها تحولًا عظيمًا في حياتنا وفي حياة من حولنا.
وليحتفل من شاء ببداية العام الميلادي الجديد؛ أما نحن فلنحتفل كل يوم بهجرتنا إلى الله، بمحبتنا لخلقه، وبعملنا من أجل أنفسنا والآخرين.