الكاتبة والروائية ريما آل كلزلي
مما لا شكّ فيه أنّ المجتمعات الإنسانيّة مرّت بأطوارٍ مختلفة حتى وصلت إلى ما وصلت إليه في عصرنا الحاضر. ولا يمكن أن ننكر دور الأدب والفنّ في ترسيخ القيم المعاصرة، وجعل المجتمع ينتقل انتقالًا سلسًا إلى طورٍ أكثر تقدّمًا. والمجتمع العربيّ ليس استثناءً من هذه الحقيقة.
إنّ احترام قيم الأصالة، والقيم العليا في المجتمع العربيّ عامةً، والخليجيّ بشكلٍ خاص، لا يجب أن يكون عائقًا أمام الحاجة الملحّة إلى مراجعة منظومة القيم السائدة، وتأمّلها بعمق من أجل غربلتها، وانتقاء ما يمكن أن يكون صالحًا للاستمرار، وتعديل ما يجب تعديله في ظلّ التطوّر التكنولوجي والصناعي المعاصر.
للأدب بشكلٍ عامّ دورٌ مهمٌّ ورائدٌ في تحريك المجتمع، ودفعه إلى مراجعة أفكاره وعاداته. وهذا يعني أنّ المجتمع يمكن أن ينقسم إلى قسمين: قسمٍ يؤيد التغيير، وقسمٍ يحاول أن يقف في وجهه في سبيل الحفاظ على ما اعتاده الناس لفتراتٍ طويلة. بيدَ أنّ الأدب لا يأخذ مسارًا واحدًا أو في اتّجاهٍ واحد، فقد يكون من الأدباء مَن يدافع عن التقاليد، ويرمي محاولات التغيير بحجارة الماضي.
أما الرواية بوصفها فنًّا أدبيًّا طفق يفرض نفسه على المجتمع العربيّ بعد عصورٍ من سيادة الشّعر، فإنّها الأقدر على لعب دورٍ حاسمٍ في التغيير، كونها ترصد التحوّلات الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة للمجتمع في فترة زمنيّة محدودة أو في فترات متلاحقة. فحين يقدّم الروائيّ وجهة نظره أو وجهة نظر أبطال رواياته، فإنّه يهدف إلى الإضاءة على تلك التحوّلات بصورةٍ غير مباشرة، وربّما تكون مباشرة أحيانًا. وهو يتوجّه إلى متلقٍّ يعيش معه في مجتمعٍ واحد، وهذا المتلقّي لديه وجهة نظرٍ أيضًا، وقد تكون متوافقة أو متعارضة مع وجهة نظر الروائيّ. وبقدر ما يكون الروائيّ متمكّنًا من أدواته، وقادرًا على صياغة أفكاره بأسلوبٍ يجذبُ القارئ، ويؤثّر فيه، فإنّه يساهمُ في عمليّة التغيير الاجتماعيّ، ويكون فاعلًا في الحقل الاجتماعيّ.
ولكنّ الروائيّ لا يمكنه أن يصل إلى الجمهور بمفرده. وهنا يأتي دور المؤسّسات الثقافيّة والصحافة والإعلام بوسائله المتعدّدة لبناء جسورٍ متينة بين الكاتب والجمهور. كما يلعب النقد الأدبيّ دورًا مهمًّا في هذا الإطار؛ حيث تكون الدراسات النقديّة الحقّة، والتي تساهم الصحافة، والإعلام في تقديمها صلة وصلٍ حقيقيّة تمهّد للدور الذي على الرواية أن تلعبه. وهذا لا يعني إغفال دور الأجناس الأدبيّة الأخرى، أو دور الفنون والدراما في التكاتف والتكامل مع الرواية في سبيل تكوين منظومة قيميّة جديدة للمجتمع، والدفاع عمّا هو أصيلٌ ونقيّ فيه.
من هنا، لابدّ من تفعيل دور الأدب، وتقديم التسهيلات للأديب ليكون رائدًا. ففي المجتمعات الإنسانيّة، تساهم دور النشر في دعم الأديب، ونشر أدبه – إذا كان مستحقًّا – وهذا لا يلغي الهدف الاقتصاديّ لدور النشر وهو حقّها المشروع. كما يمكن للمؤسّسات الثقافيّة أن تساهم في نشر الأدب من خلال الندوات النقديّة، واللقاءات المباشرة مع الأدباء، وفرز الغثّ من السمين حتى لا يطفو الأدب الهابط على حساب الأدب القادر على حمل العبء الاجتماعيّ والفنّي؛ أي أن تكون الرواية أيضًا في إطارٍ فنّي له قيمته، فلا تكون مجرّد مواعظ وإرشادات. فعلى الروائيّ أن يطوّر أدواته، ويدرك أهميّة عناصر الرواية من سردٍ وحوارٍ، وقدرة على إبراز الشخصيّات في إطارها الزمكاني، ومستوياتها الثقافيّة والاجتماعيّة من أجل إقناع القارئ بواقعيّة الأحداث، أو احتمال واقعيّتها، واستشراف ما يمكن أن تؤول إليه أحوال الناس في صيرورتها الحياتيّة.
أخيرًا، هذه وجهة نظر تحتمل الخطأ أو الصواب، وهي منفتحة على آراء النّقاد والكتّاب والقرّاء، لتكوين أساسٍ متينٍ يجعل للأدب والرّواية دورًا نشطًا في ظلّ تسارع تطوّر العلوم المادّية، كي لانفقد النعنى الانساني للروح، ونتحوّل إلى مجرد ريبوتات تتحرّك بأجهزة تحكّم عن بُعد.