بقلم - خديجة الزيلعي
كعادة الأماكن المخصصة للأطفال مثل الروضات والألعاب فإن الوضع يكون فوضوي وأصوات بكاء وضجيج مزعجان، تنظر الواحدة منا لصغيرها وتحاول تهدئته حتى لا يدخل في نوبة بكاء لا انقطاع لها وهي تحاول اسكاته بقطعة حلوى أو زجاجة حليب أو كيس لامع من أنواع رقائق البطاطا، هذا الحال دائماً عندما أذهب إلى طوارئ الأطفال في المستشفى المركزي بمدينتنا، ولأن دورنا كان بعيدًا بسبب الورقة التي بين يدي التي تحمل لونًا أخضرًا يدل على أن حالة طفلي لا تستدعي التدخل الطبي العاجل. فنام بجانبي بكل هدوء بعد أن أدرك بغريزته أن الانتظار سيطول سويعات كالعادة.
حتى أكسر جمود الوقت أخرجتُ هاتفي وبدأت بالاستماع لمناقشة صوتية كان لي نصيب في المداخلات بعد أن أصبح المكان أشبه بالفارغ.
لم أكن أعلم أن هناك أذن تسترق السمع لتلك المحادثة التي كنت أحسبها ذات صوت منخفض.
كان بجانبي فتاة يوحي منظرها أنها بعمر التاسعة عشر وبجانبها أخرى أصغر منها بسنوات؛ أحزنني منظر الكبرى فكانت تمسك يد شقيقتها بقوة وكأني أرى هالة والدتها تشدد الحرص أن تنتبه أشد الانتباه عليها.
بدأ المكان يخلو فلم يبقَ في غرفة الانتظار سوانا؛ عندها شعرت بتحرك الكبرى وجلوسها بجانبي
تحدثت متسائلة:
- هل أنتِ معلمة؟
- لا. لست كذلك. (أجبتها بسرعة)
- ظننتك معلمة، فكلامك قبل قليل يشبه كلامهم.
ضحكت قليلًا على تحليلها البسيط:
- صحيح أني خريجة جامعية، ولكن لم يكتب الله لي الوظيفة، وأنتِ؟
-أنا… لم أُكمل دراستي الثانوية، فلقد تزوجت وتوقفت عنها.
كانت تتكلم وهي مطرقة رأسها قليلًا وفي صوتها نبرة حزينة وكأنها تلوم نفسها على تركها للدراسة.
رددت عليها متعاطفة:
- لاعليك، تستطيعين العودة للدراسة في أي وقت، فالعلم لا يتقيد بعمر.
في هذه الأثناء قامت شقيقتها باللعب مع ولدي الذي استيقظ لسماعه حديثنا.
وبلا مقدمات بدأت تحكي لي قصتها وهي تفرك يدها بشدة،
ومن دون توقف انهمر سيل من الكلمات بصوت ملائكي يتخلله آهات حزنٍ خافتة:
- لقد تزوجت العام الماضي من ابن عمي كانت بيننا قصة حب منذ الصغر، فلا يكاد يمر يوم دون أن نتهامس تحت درج بيتنا أو من سور السطح، أحببته جداً كما أحبني وكان الكل شاهداً على حب الطفولة عندما جاء ليوفي بوعده والزواج مني؛ أيام مرت سريعاً وعشنا أحلى أيام العمر، لا أعرف ما الذي حصل فوالله إنه التاج والسند والقوة بالنسبة لي.
شعرت بالأرض تهتز من جرّاءِ اهتزاز قدميها من شدة التوتر حيث أكملت بصوت مرتجف ملتفتة بسرعة نحوي:
- تفاجأت أنه ضربني والسبب لأني لم أذهب معه لأهله ليلة الجمعة، كنت متعبة والله, اعتذرت له أقسم لكِ أني اعتذرت وبشدة أيضاً لكنه طبع كفه على خدي بقوة وآلمني ذلك؛ لم أتحمل الموقف فطلبت أن أذهب عند أمي فأوصلني وعيناه تكاد تخرج من مكانها من شدة الغضب.
عند أغلاقي لباب السيارة سمعته مردداً:
- انزلي يا قليلة الأدب.
وقعت كلمته عليَّ كالسكين، دخلت منهارة على والديَّ، لم يتحمل والدي بكائي فاتصل عليه وأمره بالحضور حالاً.
دار بينهم نقاش حاد وعندما عاد أبي قال لي:
- سيعوضك الله خيراً منه يا ابنتي. لقد طلقكِ.
سكتت.. و تسمرت عيناها على الأرض.
كان صوتها المملوء بالقهر والتساؤلات والدموع تكاد تقفز من تحت نقابها بوضوح، ومن شدة فركها ليديها ببعضهما ظننت أن الشرر سيقدح منها؛
رددت بعض الكلمات قائلة:
- لا أعرف حتى الآن لماذا فعل ذلك؟ ما الشيء الذي جعله يحقد عليَّ ويطلقني بكل سهولة؟ أين ذهب حُبَّ السنين؟ !
كانت تحدث نفسها بصوت خافت حتى لا أحسبها جُنّت.
يا لحزنها وألمها الذي وصل لقلبي قاصدًا، طلبتْ رَقَم هاتفي حتى نتعرف إلى بعضٍ أكثر.
في ذات اللحظة سقط طفلي متعثراً بحذائه، هرعت له لتهدئته وحملته عائدة لمكاني ولها، لكنها تلاشت وكأنها السراب تلفت حولي فلم أجدها!
شككت في نفسي أني تخيلتها لكن لمحتها تدخل العيادة ممسكة يد أختها بتراخي.
فخُيل لي أن هالةً تحوطها بارتياح بعد ما فضفضت لغريبة لن تضعها في قفص اللوم و تحكُم عليها في انتقاد.