الكاتب :
التاريخ: ٠٨ مارس-٢٠٢٤       35200

قصيدة ( ظمئتُ إليه )

المحرر الثقافي محمد الحارثي

الشاعرة عفاف بنت حسين الحربي شاركت بمهرجان ذي المجاز الشعري الأول والذي أقامه نادي مكه الأدبي بقاعة فندق فور بونيتس بمكه في السادس من شهر مارس الجاري في حشد كبير من المشاركين من الشعراء والشاعرات في حدود الأربعون في حالة غير مسبوقة وأتى هذا المهرجان إحياء لسوق ذي المجاز  أحد أشهر أسواق العرب بعد عكاظ والذي كانت هذيل تفاخر به قبل الإسلام وأطلت من على منبر هذا المهرجان هذه الشاعرة الرائعة والتي تميزت هي وعدد قليل معها عن غالبية الشعراء والشاعرات بشعر التفعلية عن الشعر التقليدي العامودي والذي يعتبر أحد مفاخر العرب بديوانهم وكأنها تريد تقول مازال هذا الشعر له ألقه ويتجدد ولم تنطفئ جذوته والتي أشعلها الشاعر الكبير محمد الثبيتي في الوجدان وترك لنا هذا الخلود من سفره وكأن نازك الملائكة هي ملهمتها وحاضرة في مخيلتها  حين تمردت على الشعر التقليدي وأحدثت ثورة في شعر العرب في اربعينيات القرن الماضي للميلاد بحداثتة وكانت قصيدة الشاعرة عفاف والتي عنونتها بإسم "ظمئتُ إليه" فيها من جمال اللغة وجزالة الألفاظ والإيقاع الموسيقي والوزن وكما هي سمات شعر التفعيلة الذي يتسم بالرمزية وهذه تكسبه قوة في المعنى والصور الفنية البديعة وأرى بأنها من أجمل ماقيل شعرا في هذا المهرجان بل تفوقت على بعض القصائد العامودية لشعراء وشاعرات مشاركين في هذا المهرجان الكبير وحضيت الشاعرة عفاف في ختام المهرجان الشعري بتكريم من لدن رئيس النادي الدكتور حامد الربيعي ومنحها شهادة شكر وتقدير على ماقدمته من ضمن المكرمين من الشعراء والشاعرات تقول في هذه القصيدة:     

إلى أينَ تمضيْ بيَ الأغنيات؟
وقلبيَ مـا بيـنَ مــاضٍ وآت !
فأكتُبُ حـرفًا
وأمحوَ حرفا
وأكتُبُ شــطرًا
وأشطبُ شطرا ..
……..
خجلتُ لضعفِي
لكسرِي ...
عجزتُ ..
بكيتْ !
وقلتُ لنفسي :
سأكتُبُ مهما تعسّرَ حرفي ..
ولو صدرَ بيت ..
سيَفهَمُ حرفيْ الكسير
ويسمعُ صوتِي الأسير
ويجتاحُ كُلَّ خنادقِ شوقي
سأعزِفُ نأْيًا ونَايًا حزين ..
أُدثِّرُهُ بعباءَةِ ( ليلى )
بأرديةِ الفَجرْ ..
وأتلُو عليهِ التعاويذَ ..
أُقرؤهُ السلام ..
فلا مِساسَ ..ولا كلام ..
أصوغُهُ ‘ بينَ أحجيةِ الخوفِ والهجر..
وأُطلِقُ معهُ المواويلَ سِحْرًا في ساعة السَّحَر ..
فيرقُصُ قلبٌ شُدَّ بـ ( يَذبُلْ )
يهابُ ( طَسَم وجَديس )
فـ ( زرقاؤهُمْ) أمسَتْ عاشقة!
أحرقَها الرّوعُ دونَ نذير
تسافرُ خوفَ جنونِ اللُّباب
وترحلُ خوفَ اقتلاعِ العيونِ الشّهيلة
وباتتْ شريدة!
فكلُّ الأماني ستُصلبُ يومًا في يومِ عيد ..
...……..
وأين الجناح؟
ذاك الجناحُ
يرفُّ بعيــدًا بعيدا ..
تُغنِّيهِ خِلًّا وفيَّا
غرامًا .. جوىً .. وجنونا
لعمرٍ مديد ..
وحينَ ظمئتُ إليه
لأَنْ ألتقيه ....
رسمتُ على الخدِّ شامة !
فأضحتْ علامة
وألصقْتُ تلكَ المَرايا
على الخدِّ فالتقتِ الشامتان 
ورُحتُ أُقلّبُ كُلَّ الملابس
أصفِق كلتا اليدين
والوجهُ عابس 
مناسبةٌ تستحقُّ الزُّهاء
فأين الجواهر؟ وأين العطور؟
وأين الحذاء ؟ وأين المكاحل؟
وتلك اللآلئ ! وذاكَ الرداء ؟
فهاتوا وهاتوا ..
فإني "البرنسِس"
أميرةُ قلبٍ يُحبُّ الدَّلال ....
غدوتُ من الشوقِ أركض
أشقُّ الطريقَ
أهرولُ .. أعدو
……
من الفَرحِ أذكرُ
أنِّي نسيت ...
نسيتُ الجوارب ..
أضعتُ مع العَدوِ قطعةَ شال 
سأبردُ حتمًا ..
ولكنَّ؛ لُقياهُ دفءٌ
يُعيدُ الحياةَ ..
بنظرةِ طَرفٍ سأُبحرُ فيها سَـفر
فتحيا القوافي
وأُنشئُ أُرجوزةً .. أقصوصةً
وديوانَ شعرٍ
بلمحِ البصر 
****
وعندَ المساء
وقبلَ اللقاء ..
أراها الشوارع
تغدو ربيعًا
تُغنِّي الطيور
فأشتمُّ مِسكًا وعُودًا وبعضُ الورود..
أرى الأرضَ تُطوى
وتُطوى ...
فألمحُ تلكَ المقاهي تُحيِّي الحبيب  
مـواسمُ خَصْبٍ على راحتيه
سحـائبُ مُـزنٍ سَقـتْ مُقلتيه
فتُمطِرُ روحي شتاءً.. هناءً
مطر
مطر
مطر
وبعد اللقاء ..
يُرفرفُ قلبي
كعصفورِ فجرٍ
أعودُ كطفلةْ
ويحلو الغِناء..
               ****
وأُغمضُ عيني  
اُفكرُ فيه ...
وأشعرُ أنِّي هويتُ الخطيئة
ولا مِن خطيئةَ غيرَ اللـقاء!
وأحلمُ أنِّي.. رأيتُ المقاصِلَ
وأطواقُ شنقٍ ! وأسيافُ حربٍ
تهوى الدماء
وحرفِيْ مُجندل
وقلبي ذبيح
ولازال يكتبْ بحرفينِ وَسْمًا
بتلكَ الدمـاء!
وأشعرُ أنَّ الجميعَ يُعسكِر
يفتِّشُ في جُعبةِ الذكريات ..
فيُخرجُ حرفين  ..
حاءٌ
وباء
ويُبقي من الشعرِ كُلَّ الحروف
يُدلِّيهِمَا على مِشنَقةِ الموتِ والأمنيات
بجسدٍ نحيلٍ طواهُ الأنين
وأرخَتْ عليهِ
الهمومُ الطِوال
ووخزٌ مريرٌ بين الضلوع
يغزو الشغاف
فينزفُ جَرحًا
وسوءَ مآل  ..
                 ****
وحينَ الفِرار
وحُلْمُ المَزار ..
وبيني وبينَكَ حِصْنُ (السَّمَوأَل)
وألفُ حِصار
تذكَّرتُ أنِّي سقطتُ بمرمى شِباكِ الحِسَان
وأنِّي عشقتُكَ حدّ السماء..
تجاوزتُ فيكَ قيودَ الزمان
فكنتَ الأمان ..
وصارتْ مواسمُنَا من ربيع
يُغازِلُنا الحرفُ حُبًّا وحَبّا
وأضحتْ يداكَ كـ مِلْفَعِ ( ليلى )
تُطوِّقُ عُـنقِيْ صباحَ مساء..
وتهمِسُ سُهدًا
بأنكَ مجنونها في الخَفاء..
وأذكُرُ أنّي
غَضِبتُ عليكَ
تأبَّطتُ شرًا ..
وألقيتُ شِعري بنهرِ الفُرات
مَحوتُ من الخدِّ شامة ..
مَحوتُ علامة
لئلّا يكونَ هناكَ لقاء..
فأجدبتِ الروحُ
دونَ سلامة
وجُنَّ جُنوني
وصِرتُ أُسافِرُ
منكَ إليك ..!
أراكَ كطيفِ الخيال ..
على كوكبِ الزُّهرةِ
يلمعُ خاتمُكَ السّوسنيّ
تغمزُ لي   .. 
فأنداحُ خَجْلى
وأغرقُ عِشقا
أعودُ من العُتبِ
صِفرَ اليدين
وكُلِّي حنينٌ
حنينٌ
حنين ..
             ****