الكاتب : النهار السعودية
التاريخ: ٢٦ ديسمبر-٢٠٢٣       36245

المحرر الثقافي محمد سعيد الحارثي

في يوم الأحد الماضي الرابع والعشرون من شهر ديسمبر كانت أمسية أدبية بمعنى الكلمة أحياها الأديب والتربوي الشاعر الأستاذ عبدالعالي الحارثي بمقهى أنتيك من مساءات شهر ديسمبر الممتعة ومكة التي جعلت منها تلك الأجواء الشتوية في أبهى حللها وعَطرتها  تلك الشخصية الاستثنائية بروائع الأدب فكانت إستثناء بما قدمه في تلك الأمسية عن أعظم شعراء في تاريخ الأدب العربي على مر العصور والذي وضع اللبنة الأولى للشعر العربي القوي والرصين وفي كل أغراضه وأحد مقاييس الجودة في الشعر وهو  أمرؤ القيس  الذي يطلق عليه الملك الضليل فبدء المحاضرة عن الحياة الإجتماعية لهذا الشاعر والذي ذكر بأنه كان يطلقون عليه ذو القروح حين قال لما سئل "وبدلتُ قرحًا داميًا بعد صحة" وذكر بأن هناك تصنيف عن  أمرؤ القيس  مما يروى عن لبيد بن ربيعة العامري في ترتيبه للشعراء: سُئل لبيد بن ربيعة: مَن أشعَرُ العرب؟ قال: الملك الضِّلِّيل يقصد امرؤ القيس قيل: ثمّ مَن؟ قال: الفتى القتيل يقصد طَرَفة بن العبد قيل: ثمّ مَن؟ قال: أبو عقيل يعني نفسَه وقال أيضا  مما قيل بأن الأصمعي روى بأن أبا عبيد سئل ذات مرة من أشعر العرب؟ فقال: " امرؤ القيس إذا ركب، وزهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب، والأعشى إذا طرب. "وكان للمحاضر طريقته السلسلة في ربط جماليات شعر أو القيم التي في شعر امرؤ القيس وعن صداها في سير الصحابة وذكر بأنه " يروى أن عمر بن الخطاب قال يومًا: من أجود العرب؟ فقيل له: حاتم. قال: فمن شاعرها؟» قيل: «امرؤ القيس بن حجر. قال: «فمن فارسها؟ قيل: «عمرو بن معد يكرب. قال: فأي سيوفها أمضى؟ قيل:الصمصامة. فقال: "كفى ذلك فخرًا لليمن! " كما أنه أجاد بإستنباط من بعض أبيات شعر امرؤ القيس لواقعنا الإجتماعي في التهذيب وترسيخ القيم التي ينادي بها في حياتنا وذكر المحاضر بأن هذا الشاعر من نسل ملوك لأن والده هو حِجر ملكاً على أسد وغطفان وكان في بدايته منصرفاً عن وضعه الإجتماعي المرموق كون ابوه ملك فعاش حياة الصعاليك الغير مستقرة تعتمد على الغزو والكر والفر واسرف في حياته في اللهو نتيجة ولعه بالنساء والتشبب بهن كذلك الإفراط في شرب الخمر وكان في نفس الوقت يهوى الصيد في البراري ولم يفق مما هو فيه إلا بعد حادثة مقتل أبيه والتي وتمشياً مع وصية والده قبل مفارقته الحياة فذكر حينها كان يلعب النيرد وبعدها اخذت حياته منحى اخر نحو الجد وقال قولته المشهورة اليوم خمر وغدا أمر والمحاضر حين اتى على ذكر بعض اشعاره تنحى عن ذكر بعض من شعره المغرقة معانيه الوصفية في الغزل بأخذ جانب من شعره يمتدح فيه نظافته أحد زوجاته في هذه الأبيات:            

خليلّي مرّ بي على أم جندب

نُقَضِّ لُبَانَاتِ الفُؤادِ المُعذَّبِ

فَإنّكُمَا إنْ تَنْظُرَانيَ سَاعَةً

من الدهرِ تَنفعْني لَدى أُمِّ جُندَبِ

ألم ترياني كلما جئتُ طارقاً

وجدت بها طيبا وإن لم تطيب

وتطرق المحاضر لجماليات معلقته  والتي تعد أقوى المعلقات السبع وقيل العشر وتفوق هذا الشاعر على اقرانه من الشعراء الجاهليين والتي تربو على السبع وسبعين بيتاً والتي يقول في مطلعها في هذا البيت:

قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ 

بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ

وهي قيلت في القرن السادس الميلادي والتي تعتبر أجود ماقيل في شعر العرب وطاف بنا المحاضر في جماليات هذه المعلقة والتي قال المحاضر عن صاحبها لو أن الشاعر  أمرؤ القيس  لم يقل غيرها شعراً لكفته 

لقوة معانيها البلاغية وماإتسمت به من دقة في الوصف حين يصف الليل ويقول فيه:

ألاَ أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيْلُ ألاَ انْجَلِــي

بِصُبْحٍ وَمَا الإصْبَاحُ منِكَ بِأَمْثَــلِ

فَيَــا لَكَ مَنْ لَيْلٍ كَأنَّ نُجُومَـهُ

بِـأَمْرَاسِ كَتَّانٍ إِلَى صُمِّ جَنْــدَلِ

وكذلك في وصفه لخيله بأجمل وصف بلاغي بقولة في هذا البيت:

مِكَـرٍّ مِفَـرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِـرٍ مَعــاً

كَجُلْمُوْدِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ

وكذلك تضمنة المعلقة على ولعه وعشقه في المحبوب حين وصف هذه الحالة بقولة في هذين البيتين:

أغَـرَّكِ مِنِّـي أنَّ حُبَّـكِ قَاتِلِـي

وأنَّـكِ مَهْمَا تَأْمُرِي القَلْبَ يَفْعَـلِ

وَمَا ذَرَفَـتْ عَيْنَاكِ إلاَّ لِتَضْرِبِـي

بِسَهْمَيْكِ فِي أعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّـلِ

وأشار المحاضر إلى وفاة  أمرؤ القيس  بأنه توفي وهو في طريقه إلى القسطنطينية التي هي تعتبر أنقرة الأن في تركيا فاحتضر بها فقيل انه مات مسموماً ودفن فيها ومما يروى عنه بأنه رأى قبر امرأة من أبناء الملوك ماتت هناك فدفنت في سفح جبل يقال له عسيب فسأل عنها فأُخبر بقصتها فأنشد شعراً يقول فيه:

أجارتنا إن الخطوب تنوب 

وإني مقيم ما أقام عسيب

أجارتنا إنا غريبان ههنا 

وكل غريب للغريب نسيب

ثم مات فدفن إلى جنب المرأة فقبره هناك وفي الختام كان للبروفسور عبدالمجيد الطيب عمر كلمة في راعي هذه الأمسية وكانت كلمة بليغة حين قال أخذنا هذا الأديب لعوالم هذا الشاعر في حياته الجاهلية وطاف بنا في جماليات شعره وهذا الرونق والألق وجعلنا في مشهد من القمة و بصوره سريالية بديعة وأردف بالقول هذا العلامة بأن أبا عمر أخذنا الأن وطاف بنا في سياحة جميلة وجعلنا نعيش مع هذا الشاعر لحظات ماتعة ولحظة بلحظة وقدم شكره وتقديره للأديب نجم الأمسية الأستاذ عبدالعالي الحارثي وحضر هذه الأمسية من المهتمين بالأدب والثقافة من السادة الرجال ومن السيدات الكريمات وشكر المحاضر مقهى انتيك على هذا الإهتمام بالحراك الثقافي مشاركة مع الشريك الأدبي والذي أثنى فيه راعي الأمسية على هذه المبادرة من الشريك الأدبي في نشر الثقافة لكافة شرائح المجتمع ولتعزيز الهوية الثقافية للأجيال وقام الأستاذ إسماعيل هوساوي بتسليم الدرع التذكاري هدية للضيف ومايلفت النظر لأمسيات هذا المقهى الثقافيةالتنظيم الرائع والترتيب وهذا الجهد كان ورائه فريق أعضاء سحاب التطوعي الإعلامي بقيادة الأستاذة ريتاج وليد والملفت أيضا في هذه الأمسية هو ذلك الفتى الذي قام بتقديم نبذة عن راعي الأمسية وإستهلها بأبيات جميلة لعنترة بن شداد وكان إلقائه جميل إنه عبدالرحمن سوماري