الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٢ اكتوبر-٢٠٢٦       2420

بقلم- د. جهاد أبو لحية

تمثل الاعتداءات التي تستهدف أراضي المملكة العربية السعودية ومنشآتها المدنية تصعيدا خطيرا يتجاوز تداعيات الصراع اليمني، ليشكل تهديدا مباشرا لأمن المنطقة واستقرارها. إن استهداف المطارات والمنشآت المدنية وتعريض حياة المدنيين للخطر ممارسات مرفوضة، وتتعارض مع قواعد القانون الدولي الإنساني التي تفرض حماية المدنيين والأعيان المدنية، وتحظر الهجمات العشوائية والهجمات التي لا تميز بين الأهداف العسكرية والمدنية.

ولا يمكن النظر إلى هذه الاعتداءات باعتبارها مجرد امتداد للمواجهة العسكرية في اليمن، إذ إن نقل التصعيد إلى أراضي المملكة واستهداف منشآتها الحيوية يوسع دائرة الصراع، ويهدد أمن الملاحة الجوية، ويضاعف المخاطر التي تواجه المدنيين، فضلا عن انعكاساته السلبية على أمن دول المنطقة. كما أن وجود خلافات سياسية أو عسكرية لا يمنح أي طرف مبررا لاستهداف المدنيين أو تعريض المنشآت المدنية المحمية للخطر.

ومن الناحية القانونية، فإن مشروعية أي هجوم تخضع لقواعد القانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها مبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين. وقد تشكل الهجمات المتعمدة على المدنيين أو الأعيان المدنية، متى توافرت عناصرها القانونية، جرائم حرب تستوجب المساءلة. ومن ثم، فإن إدانة هذه الاعتداءات لا تنطلق من موقف سياسي فحسب، بل تستند أيضا إلى ضرورة احترام القواعد القانونية التي تحكم النزاعات المسلحة وتحمي أرواح المدنيين وممتلكاتهم.

إن ما تقوم به مليشيا الحوثي من اعتداءات متكررة، وما يترتب عليها من تهديد لأمن المملكة واستقرار المنطقة، يثير تساؤلات جدية بشأن مدى استعدادها للانخراط في مسار سياسي مسؤول يضع مصلحة اليمنيين وأمن المنطقة فوق حسابات التصعيد. فالشراكة في استقرار اليمن لا تُثبت بالشعارات، وإنما بالالتزام بوقف الاعتداءات، واحترام سيادة الدول، والامتناع عن الأعمال التي تهدد أمن الجوار وتفتح الباب أمام مزيد من المواجهات.

وبهذا السلوك، تقدم مليشيا الحوثي مؤشرات على أنها ليست شريكا موثوقا في تحقيق الاستقرار ما دامت تواصل نهج التصعيد، بل أصبحت ممارساتها عاملا من عوامل زعزعة استقرار اليمن والمنطقة. فاليمن الذي أنهكته الحرب لا يحتاج إلى توسيع رقعة المواجهة أو استعداء دول الجوار، وإنما إلى مسار سياسي جاد ينهي الصراع ويحفظ سيادته ويعيد بناء مؤسساته، بعيدا عن منطق القوة وفرض الأمر الواقع.

وانطلاقا من ذلك، فإن المجتمع الدولي مطالب بإدانة الاعتداءات التي تستهدف المملكة العربية السعودية، والعمل على وقفها ومحاسبة المسؤولين عنها وفقا للقانون الدولي، مع دعم الجهود الرامية إلى تسوية سياسية شاملة في اليمن. كما أن حماية أمن المملكة وسيادتها تمثل جزءا من الجهد الأوسع للحفاظ على أمن المنطقة، ومنع تحول الصراع اليمني إلى مصدر دائم للتهديد وعدم الاستقرار الإقليمي.

إن استقرار اليمن لا يمكن أن يتحقق عبر الاعتداء على جيرانه، كما أن أمن المنطقة لا يمكن أن يستقيم في ظل استمرار استهداف المدنيين والمنشآت المدنية. والطريق إلى السلام يبدأ بوقف هذه الاعتداءات، واحترام القانون الدولي، والتخلي عن سياسات التصعيد التي لا تجلب لليمن والمنطقة سوى مزيد من الخسائر والمعاناة