بقلم ـ د. لؤي بن بكر الطيار
ليست المملكة العربية السعودية مجرد أرضٍ نعيش عليها، أو وطنٍ نعمل في مؤسساته ونستفيد من خيراته؛ إنها أرض الحرمين الشريفين، وقبلة المسلمين، ووجهة قلوب أكثر من مليار مسلم حول العالم. إنها وطنٌ يحمل مكانةً دينيةً وتاريخيةً وإنسانيةً استثنائية، ويحتضن بين جنباته ملايين البشر من جنسيات وثقافات مختلفة، وجدوا على أرضه الأمن والاستقرار، ومصدرًا للرزق، وفرصًا لبناء مستقبلهم ومستقبل أسرهم.
ومن هنا، فإن ما تتعرض له المملكة من تهديدات واعتداءات، ومنها الاعتداءات التي تستهدفها جماعة الحوثيين، لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره شأنًا يخص السعوديين وحدهم؛ فالأمن الذي تنعم به المملكة ليس مكسبًا لمواطنيها فقط، بل هو قيمة إنسانية ومصلحة مشتركة لكل من يعيش على أرضها، ولكل من يرتبط بها بعملٍ أو إقامةٍ أو مصالح اقتصادية واجتماعية.
إن ملايين المقيمين الذين اختاروا المملكة مكانًا للعمل والحياة، وينعمون بما توفره من أمنٍ واستقرار، يدركون أن استقرار هذا البلد هو جزءٌ من استقرار حياتهم، وأن حماية أمنه واحترام أنظمته والوقوف معه في مواجهة التهديدات مسؤولية أخلاقية وإنسانية قبل أن تكون واجبًا نظاميًا. فالانتماء لا يُقاس بجواز السفر وحده، بل يتجلى أيضًا في المواقف، وفي احترام الوطن الذي يحتضنك، والحرص على سلامته، وعدم الوقوف موقف المتفرج حين يتعرض للخطر.
والمملكة، بما تمثله من ثقل ديني وسياسي واقتصادي، لا تخص أبناءها وحدهم من حيث أثرها ومكانتها؛ فهي تحتضن الحرمين الشريفين، وتستقبل ضيوف الرحمن من شتى بقاع العالم، وتمثل قبلة المسلمين التي تتجه إليها قلوبهم قبل وجوههم. ولهذا، فإن استهداف أمنها يثير القلق لدى كل من يدرك قيمة استقرارها، وما يعنيه ذلك للعالم الإسلامي والمنطقة بأسرها.
ولا يعني التضامن مع المملكة أن يتحول الخوف إلى خطاب كراهية، أو أن يُحمَّل شعبٌ أو جنسيةٌ مسؤولية أفعال جماعة أو فئة؛ بل يعني أن نقف مع الحق في الأمن والسلام، وأن نرفض الاعتداء على المدنيين والمنشآت، وأن نؤكد أن أمن الأوطان ليس ساحةً للمساومة أو وسيلةً لتحقيق الأهداف السياسية.
وفي أوقات التهديد، تظهر حقيقة المواقف. فهناك فرق بين من يرى المملكة مجرد محطة مؤقتة لتحقيق مصلحة، ومن يدرك أن للبلد الذي فتح أبوابه واستقبل أبناءه وأسرته حقًا في الوفاء والاحترام. وهذا الوفاء لا يحتاج إلى شعارات صاخبة، بل يظهر في الالتزام بالأنظمة، وتحري الدقة في نقل الأخبار، وعدم تداول الشائعات، ودعم الاستقرار، والقيام بالمسؤولية كلٌّ من موقعه.
إن الدفاع عن أمن المملكة يبدأ بالوعي، وبالكلمة المسؤولة، وبالالتزام، وبالوقوف صفًا واحدًا في مواجهة كل ما يهدد سلامة المجتمع. فالأوطان لا تُحمى بالقوة العسكرية وحدها، بل كذلك بوحدة المجتمع، ووعي أفراده، وتماسك المقيمين والمواطنين في مواجهة الفوضى والتهديدات.
ستظل المملكة وطنًا يحتضن من يعيش على أرضه، ومن واجب كل من ينعم بأمنها أن يكون شريكًا في الحفاظ عليه. فالأرض التي تمنحك الأمان تستحق منك الوفاء، والوطن الذي يفتح لك أبواب الرزق يستحق منك الاحترام، والبلد الذي يحتضن قبلة المسلمين يستحق من الجميع موقفًا واضحًا في نصرة أمنه واستقراره.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها أمنها واستقرارها، وحفظ قيادتها وشعبها والمقيمين على أرضها، وجعلها دائمًا دار أمنٍ وسلامٍ وازدهار.
السعودية ليست وحدها؛ فكل من يعيش على أرضها، ويقدّر ما تمنحه له من أمنٍ وكرامةٍ وفرص، يستطيع أن يكون شريكًا في صون استقرارها والوفاء لها.