الكاتب : النهار
التاريخ: ١٧ اكتوبر-٢٠٢٦       5390

بقلم ـ احمد صالح حلبي 
الحديث عن مكة المكرمة ليس حديثا عن مدينة مقدسة تحتضن على ثراها بيت الله الحرام ، ولا هو حديث عن الكعبة المشرفة وبناؤها ، لكنه حديث عن واد غير ذي زرع توافد الناس إليه بعد دعوة خليل الله إبراهيم عليه السلام ، بعد أن ترك زوجته هاجر وابنه إسماعيل بواد غير ذي زرع ورفع يديه قائلا : } رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ { الآية 37 سورة
غير أن بقاؤهما في ذلك الوادي لم يكن نهاية لحياتهما ، بل بداية لبناء مدينة تحتضن بيت الله الحرام ، فتفجّر ماء زمزم ليبدأ الناس في التوافد على ذلك الوادي . 
وبعد أن جاء الأمر الآلهي لنبي الله ابراهيم ببناء البيت الحرام ، برفع قواعد البيت قال تعالى }وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ { الآية (127) سورة
وشرع خليل الله إبراهيم عليه السلام ببناء البيت امتثالا لأمر الله تعالى : } وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ { الآية (127) سورة البقرة ، يأتي الآمر الإلهي بالأذان في الناس للحج قال تعالى }وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وعلى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ { الآية (27) سورة الحج . 
فتوافدت قوافل الحجيج ملبية النداء مؤدية الحج ، وازدادت مكانة مكة المكرمة وعلى شأنها بولادة خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد ﷺ بثراها الطاهر ، وانطلاق خاتمة الرسالة من أرضها ، لتعم الأرجاء وينتشر الإسلام ، ويتجه المسلمون صوبها في صلواتهم ، ويتوافدوا نحوها كل عام لأداء فريضة الحج .  
وإن حرص المسلمون في السابق على الوصول لمكة المكرمة متحملين مشقة السفر والبعد عن الأهل والمال والولد ، فإن ذلك الإصرار شكل تساؤلا لدى المستشرقين الذين تخصصوا في دراسات الشرق وتاريخه ، وتراثه وثقافته ، فأخذوا يعدون عدتهم لزيارة هذه المدينة والتعرف على أسباب حرص المسلمين على زيارتها ، ورغم تشكيك بعضهم في موقعها كباتريشا كرون أو كما يقال ـ باتريشا كرونا ـ العالمة والمؤلفة والمستشرقة والمؤرخة للتاريخ الإسلامي ، الدنماركية المولد والنشأة ، والتي تناولت في كتابها ” تجارة مكة وظهور الإسلام ” التشكيك في الحقائق القرآنية والعلمية عن مكة المكرمة والرسالة النبوية فكان تشكيكها الاول متمثل في ” رفض ما هو ثابت تاريخيا وجغرافيا حيث ادعت أن مكة لا تقع في مكانها المعروف والمستقر بل تحركها من مكانها على الخريطة؛ فمكة حسب باتريشيا تقع على البحر الميت ” ، وزادت في نفيها للحقائق ، نافيت ” اتجاه الحجيج قبل الإسلام إلى مكة والبيت الحرام وادعت أنهم كانوا يتجهون للأسواق القريبة منها وهي عكاظ وذو المجاز ومجنة، وقامت بشرح مناسك الحج الجاهلي والإسلامي متعمدة إهمال ذكر الطواف والتلبية ” ، و ” رفضت الاعتراف بدور قريش في تجارة الشرق العالمية وأصرت على تهميش دورها ووصفته بالدور المحلي، رافضة لتفسير المفسرين لسورة قريش التي تؤكد الاتجاه الدولي في تجارة قريش قبل الإسلام ” ، مستخدمة أسلوب السخرية والتهكم لإقناع القارئ بفكرتها عن العرب بوصفهم بالبرابرة، والمسلمين بأنهم وكر لصوص ، وحاولت التشكيك في تاريخ معركة بدر الكبرى الثابت وقوعها في السنة الثانية للهجرة بخلط الحقائق وتكذيب المصادر الإسلامية عن تاريخ هذه المعركة ، ومن خلال صفحات الكتاب يبرز استخدمها لأساليب المراوغة والتحايل لتخلط على القارئ المعاني وتطمس الحقائق، وقامت بتغطية مغالطاتها بثوب من البحث العلمي التاريخي " .
غير أن الدكتورة آمال محمد الروبي ـ رحمها الله ــ الأستاذ المشارك في قسم التاريخ اليوناني الروماني بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة ـ سابقا ـ ، أوضحت في كتابها ” الرد على كتاب باتريشيا كرون ” ( تجارة مكة وظهور الاسلام ) مغالطة باتريشا للتاريخ ، مبينة أن كرون قامت ” بتغيير واستبدال لبعض الكلمات التي وردت في النصوص التاريخية وقدمت نصوصا أخرى مبتورة ، وأغفلت متعمدة ذكر المصادر التي تناقض آراءها حتى لا تهدم فكرتها وتقوضها من الأساس ، كما قامت بطرح نتائج دون ذكر المصادر التي اعتمدت عليها ، واتهمت بعض المستشرقين الذين خالفوا آراءها بأنهم وثقوا بالمصادر الاسلامية وأخذوها على علاتها ” ، ووقفت الدكتورة آمال على العديد من مغالطات باتريسا ، منها ” ما هو ثابت جغرافيا وتاريخيا ، والزعم أن مكة المكرمة لا تقع في مكانها المعروف والثابت تاريخيا ، وحركتها من مكانها على الخريطة رافضة كل إشارات الكتاب الإغريق والرومان اليها في العصور القديمة ” .
وإن شككت باتريشا في الحقائق القرآنية والعلمية عن مكة المكرمة والرسالة النبوية ، وأنكرت تواجدها في محاولة منها لإبعاد المسلمين عنها ، فإن هناك مسشترقون آخرون سعوا للوصول إلى مكة المكرمة والحديث عنها ، وعن توافد الحجاج إليها ، ومنهم الرحالة السويسري ( بوكهاردت ) الذي قال : " إنه لم يشعُر براحة مثل ما شعّر به في مكة، وأعلن إسلامه " 
فيما وصف الرحالة الإنجليزي ( جوزيف بيتس ) " مشهد الحج بأنه "يخرق القلب" لشماعته من التواضع والفناء، مع رؤوس عارية وجفوّن مبللة بالدموع " 
والحديث عن مكة المكرمة يرتبط باسمها سمائها وموقعها وحدودها ، فلمكة المكرمة العديد من الأسماء التي وردت في القرآن الكريم ، ومنها : 
مكة في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾.
وبكة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾.
وعرفت بأم القرى في قول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.
وكذلك عرفت بالبلد الأمين ، والبلد ، والبلدة ، وهو ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ و ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾.
أما اسم القرية فقد ورد في قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾.
والوادي ورد في قوله تعالى: ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾. 
وذكر بعض العلماء أن عدد أسماء مكة المكرمة تقترب من الخمسين اسما أو تتجاوزها ، وقد حرصت على الاختصار وإيراد أبرز السماء للاستفادة من الوقت مستندا في كل اسم أورده إلى نص قرآني . 
أما موقع مكة المكرمة ، فهي تقع في غرب المملكة العربية السعودية ضمن إقليم الحجاز، على بُعد نحو 72 كيلومترًا من ساحل البحر الأحمر ومدينة جدة ، عند دائرة عرض 21 درجة و27 دقيقة شمالاً ، وعند خط طول 39 درجة و49 دقيقة شرقاً ، وترتفع عن سطح البحر نحو 280 إلى 330 متراً . 
وهناك كتاب بعنوان (الأطلس المصور لمكة المكرمة والمشاعر المقدسة الرقمي من القرن السادس حتى النصف الأول من القرن الحادي عشر الهجري)، يتكون من نحو ثلاثمائة وعشرون صفحة بها أكثر من ستمائة صورة قديمة ونادرة ، عن حقبة زمنية شهدتها الديار المقدسة تجاوزت الألف عام، عكف كل من الأستاذ الدكتور معراج نواب مرزا الأستاذ المشارك بقسم الجغرافيا بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (سابقاً)، والأستاذ الزائر بمركز التحليلات الجغرافية بجامعة هارفارد الأمريكية (حالياً)، والدكتور عبدالله صالح شاوش أستاذ الفيزياء بجامعة أم القرى (سابقاً)، والباحث في تاريخ مكة المكرمة -رحمه الله-، على تأليفه وإعداده ليكون مرجعاً مهماً للعلماء والمؤرخين والجغرافيين والباحثين المهتمين بمكة المكرمة والمشاعر المقدسة.
يضم أول مجموعة من الصور عام 1297هـ، ثم توالى المصورون المختلفون واتسع نطاق نشر الكتب والمجلات التي تضم الصور الفوتوغرافية، ولحسن الحظ أن المدينة المقدسة قد شهدت عدداً من التطورات منذ أوائل القرن الرابع عشر الهجري، وتم تسجيل كل ذلك من قلب الرحالة والحجاج الزائرين والمصورين المحليين".
كما يوجد كتاب (الأطلس المصور لمكة المكرمة والمشاعر المقدسة) للدكتور معراج مرزا ويتناول الفترة من القرن الخامس حتى الربع الأول من القرن الخامس عشر الهجري، وهو وإن كان كتاباً "ضم مجموعة من كبيرة من الرسوم والصور التي تحكي قصة التطور الذي لقيه المسجد الحرام والمشاعر المقدسة على مر التاريخ الإسلامي الطويل، معتمداً على الرسم والصورة التي تفصح بأبلغ عبارة، وتنطق بأصدق مقالة عن واقع تاريخي لم نشهده، فنقلته لنا تلك الصور والرسوم كما كان، ليبقى ماثلاً للعيان على مر الزمان"، فإنه يتحدث عن حقب زمنية متعددة، وجاء الكتاب في 239 صفحة، ووزع إلى ستة أبواب على النحو التالي : 
الباب الأول: مكة المكرمة في أعين الرسامين المسلمين.
الباب الثاني: مكة المكرمة في أعين الرسامين الغربيين، رحلات الأوربيين إلى الديار المقدسة.
الباب الثالث: أوائل الصور الفتوغرافية لمكة المكرمة قبل بداية القرن الرابع عشر الهجري.
الباب الرابع: صور مكة المكرمة من أوائل القرن الرابع عشر الهجري.
الباب الخامس: مكة المكرمة خلال عهد الملك عبدالعزيز آل سعود.
الباب السادس: المسجد الحرام ومكة المكرمة من عهد الملك سعود بن عبدالعزيز حتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود.
أما حدود وأعلام الحرم ، فهناك من يعتقد بأن هذه الحدود مرتبطة بحدود المبنى المحيط بالمسجد الحرام ، وهذا خطأ ، فحدود الحرم كما قال الدكتور فواز الدهاس مدير مركز تاريخ مكة المكرمة ـ سابقا ـ ، في حديث صحفي سابق له إنها " وُضعت منذ أيام النبي آدم -عليه السلام- لأنه خاف على نفسه من الشياطين؛ فاستعاذ بالله؛ فأرسل الله الملائكة، حفوا بمكة من كل جانب. 
وهناك رواية أخرى تقول إن إبراهيم -عليه السلام- عندما أراد بناء البيت أمر الله الملائكةَ بأن تقف على هذه الأعلام حتى لا تدخل الشياطين والجن إلى مكة حتى اكتمل بناء الكعبة.
أما الرواية الثالثة والتي يميل إليها كما قال فهيا : إن إبراهيم الخليل -عليه السلام- عندما قدم مكة بزوجته وابنه إسماعيل عليه السلام، ودعا لهما {ربنا وأرنا مناسكنا}، نزل إليه جبريل عليه السلام، فذهب به، فأراه المناسك كلها، وأوقفه على حدود الحرم، فكان جبريل يشير إليه بالمواقع، وإبراهيم يرضم الحجارة، وينصب الأعلام، ويذر عليها التراب. وأعلام مكة هي 1104 أعلام على رؤوس الجبال.
وأضاف "الدهاس": وفي عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- علمت قريش أنه يهتم بحدود الحرم، وأرادت قريش أن تؤذي رسول الله، فنزعت قريش حدود الحرم كلها -أو ما قدرت عليه على رؤوس الجبال- فاشتد على المصطفى ذلك، فجاءه جبريل، وقال له "يا محمد، هل اشتد عليك أن نزعت قريش أنصاب الحرم؟". فقال: "نعم". فقال جبريل: "أما إنهم سيعيدونها إلى أماكنها". فقال النبي الكريم: "هل سيعيدونها إلى أماكنها الصحيحة؟". فقال جبريل: "والله لن يضعوا حجرًا إلا بيد ملك". فأُعيدت ، وجاء جبريل إلى النبي مبشرًا، وقال: "يا محمد، قد أُعيدت إلى مكانها"
وتابع قائلا إن "الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو أول من جدَّد هذه الأعلام. وقد كلف بها تميم بن أسد الخزاعي -رضي الله عنه-، ثم توالى الخلفاء الراشدون وبنو أمية والعباسيون وسلاطين المسلمين وصولاً للدولة السعودية".
وتبلغ عدد الأعلام التي وُضعت أول مرة بإرشاد من نبي الله إبراهيم عليه السلام وبإعانة جبريل عليه السلام ( 1104 ) أعلام سواء كانت (شواخص أو أنصاب) ، وتفصل هذه الأعلام بين منطقة الحِل ومنطقة الحرم لترتب الأحكام الشرعية الخاصة بالعبادات، كالصيد، وقطع الشجر، ومحظورات الإحرام. 
وفي كتاب (أعلام وحدود الحرم المكي الشريف)، صادر عن مركز تاريخ مكة المكرمة ، التابع لدارة الملك عبدالعزيز ، لمؤلفيه الدكتور خضران بن خضر الثبيتي، والدكتور سعود مسعد الثبيتي، الذي قدمه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز - يحفظه الله -، بقوله: "ويأتي هذا الكتاب (أعلام وحدود الحرم المكي الشريف) ليسد حاجة هذا الجانب، وبعد جهد مبارك بذله مؤلفاه ومن ساندهما في التتبع والتثبت والتحديد، وهو اليوم يخرج للقراء والمهتمين، ليكون شاهداً على الأهداف والمهمات التي يضطلع بها (مركز تاريخ مكة المكرمة) وعلى قدر المعلوم ليكون شرف العلم".
وجاء الكتاب "مكملاً لعمل الرواد الأوائل (الأزرقي والفاكهي والفاسي)، واستغرق العمل الميداني مدة طويلة استمرت ما يقرب من ثلاث عشرة سنة، واتضح بما لا يدع مجالا للشك أن الحرم المكي محاط بعدد من الأعلام على جميع حدوده الجغرافية بلغت 1104 أعلام، منها 650 علماً بالحد الشمالي، و38 علماً بالحد الغربي، و299 علماً بالحد الجنوبي، و117 علماً بالحد الشرقي ".
وضمت لجنة للنظر الحدود والأعلام التي صدرت التوجيهات السامية بتشكيلها ، كل من أصحاب الفضيلة والمعالي الشيخ محمد بن عبدالله السبيل، والشيخ عبدالله بن سليمان المنيع، ومعالي الشيخ صالح بن عبدالرحمن بن عبدالعزيز الحصيِّن، والشيخ الدكتور صالح بن عبدالله بن محمد بن حميد، لتحديد مواقع الأعلام .