بقلم : عبدالمحسن محمد الحارثي
ليست كل خيانةٍ تُكتب في وثيقة، ولا كل خصومةٍ تُعلن في بيان.
فبعض الحقائق لا تحتاج إلى اعترافٍ رسمي؛ تكفيها المواقف حين تتكرر، والمصالح حين تتقاطع، والقرائن حين تتراكم حتى تصبح أبلغ من التصريحات، وأثقل من أن تُحجب بغربال المجاملة.
وفي العلاقات بين الدول ؛ قد يقع اختلاف، وقد تتباين المصالح، وذلك من طبائع السياسة. لكن حين يتكرر الضرر، ويتسع الفارق بين القول والفعل، وتصبح الوقائع سلسلة لا حادثة؛ فهنا لا نكون أمام خلافٍ عابر، بل أمام ملف أمن قومي يستوجب القراءة والمراجعة والمساءلة.
وهنا يصدق المعنى القديم:
"ليس الخطر فيما نعرفه فقط، بل فيما نراه ثم نؤجل الاعتراف به".
وهنا يبدأ الحساب الحقيقي:
من صان مقتضيات الشراكة؟
ومن قدّم مصلحته الخاصة على الأمن المشترك؟
ومن احتمى بالمظلة حين احتاجها، ثم خفّ التزامه بها حين تغيرت الحسابات؟
فالسياسة لا تُوزن بحسن النيات، وإنما بمحصلة المواقف.
وإذا كان أمن دول الخليج واحدًا، فلا قيمة لهذا المبدأ ما لم يتحول من عبارةٍ بروتوكولية إلى ميزان للمحاسبة؛ إذ لا تستقيم شراكة تكون فيها المكاسب جماعية، بينما الالتزامات انتقائية.
أما العلاج، فلا يكون بانفعال، ولا بقطيعة متعجلة، ولا بمجاملةٍ تشتري الهدوء وتؤجل الخطر.
العلاج يبدأ من قاعدة لا تحتمل الالتباس:
الثقة في العلاقات بين الدول ليست إرثًا ثابتًا، بل رصيدٌ يُبنى ويُنفق ويُستعاد.
ولهذا قيل:
"الدول لا تعيش على النيات الحسنة، بل على وضوح المصالح وقوة الضمانات".
فمن أثبت صدقه تُعمَّق معه المصالح، ومن أربك الشراكة تُراجع معه مستويات التعاون، ومن ثبت أنه يضر بالأمن أو بالمصالح العليا، فإن إعادة تسعير العلاقة معه تصبح واجب دولة، لا نزوة خصومة.
فالدول الرشيدة لا تثأر، لكنها لا تُصاب بفقدان الذاكرة.
ولا ترفع الصوت، لكنها تعرف متى تغيّر قواعد التعامل.
ويبقى السؤال الأثقل:
أين الاستخبارات؟
فالاستخبارات ليست جهازًا لشرح الكارثة بعد وقوعها، بل عين الدولة قبل العاصفة.
وظيفتها أن تلتقط التحول وهو لا يزال إشارة، وأن تربط بين السياسة والاقتصاد والإعلام والتمويل والتحركات الميدانية، ثم تضع أمام صانع القرار صورةً لا تُخفيها المجاملات ولا تُربكها الأمنيات.
فالفرق بين دولة تُفاجأ ودولة تستبق، ليس في حجم المعلومات وحده؛ بل في سرعة فهمها، وشجاعة تفسيرها، وقدرة القرار على التحرك قبل أن يصبح الإنذار خبرًا قديمًا.
ومن هنا تبرز المقولة الأهم:
"المعلومة المتأخرة تاريخ، والمعلومة المبكرة أمن".
فإن كانت القرائن موجودة، فهل قُرئت؟
وإن قُرئت، فهل رُبط بعضها ببعض؟
وإن اكتملت الصورة ؛ فهل تحولت إلى قرار؟
وهنا لا يعود السؤال: ماذا حدث؟
بل:
ماذا ننتظر؟
الأمن القومي لا ينتظر اعتراف الخصم، ولا يطلب من الخطر شهادةً على نفسه.
إنه يُدار بالاستباق، وقراءة الاتجاهات، وموازنة الاحتمالات، والتصرف قبل أن يصبح الممكن واقعًا والمخاوف خسائر.
وحين تتراكم القرائن، وتتكرر المواقف، وتتجه المؤشرات في مسار واحد، فإن تجاهلها لا يعود حسن ظن، بل قد يتحول إلى سوء تقدير استراتيجي تدفع ثمنه الأوطان لا الأفراد.
إن مجلس التعاون اليوم أمام استحقاق أكبر من الاجتماعات والبيانات؛ إنه أمام سؤال وجودي يتعلق بمعنى الشراكة نفسها.
فإما أن ينتقل من مجلس تنسيق إلى منظومة أمن ومصير؛ تحرس القرار كما تحرس الحدود، وتحمي المصالح كما تحمي الأرض، وتعرف أن الاختراق يبدأ أحيانًا من ثغرة صغيرة اسمها المجاملة.
وإما أن تبقى العبارات أكبر من أدوات تنفيذها.
فالبيت الخليجي لا يحتاج أبوابًا أكثر..
بل يحتاج أقفالًا أذكى، وعيونًا أبصر، وذاكرةً أطول، وقرارًا أسرع.
وللأخوّة حرمتها..
وللوطن حُرمته الأعلى.
فحين تتراكم القرائن، وتتكرر المواقف، ويصبح الخطر قابلًا للقراءة قبل أن يصبح قابلًا للانفجار؛ فإن الانتظار لا يعود حكمة، بل كلفة.
والدول التي تتأخر في قراءة الإشارة، قد تضطر لاحقًا إلى دفع ثمن العاصفة.