الكاتب : النهار
التاريخ: ١٥ اكتوبر-٢٠٢٦       4730

ثامر الشهراني - النهار 

حين تُستهدف الدولة بالصواريخ، لا يعود السؤال متعلقًا بحدود الهجوم وحدها، بل بما يكشفه من استخفاف بالمؤسسات وبكل مسار يُفترض أنه يقود إلى السلام. واستهداف قصر معاشيق في عدن، مع نجاة رئيس الوزراء شائع الزنداني والوزراء وفق التقارير المتداولة، ليس تفصيلًا أمنيًا عابرًا؛ بل رسالة تستهدف حضور الحكومة، لتفرض معادلة يتقدم فيها السلاح على الدولة.

 

تتجاوز خطورة الهجوم مكانه وتوقيته؛ فقصر معاشيق رمز لمؤسسات الدولة اليمنية، واستهدافه يوحي بأن لا مقر رسميًا بمنأى عن التهديد ما دامت الميليشيا تملك قرار التصعيد. فكيف تُبنى تسوية فيما تُستهدف مؤسسة الدولة؟

 

وعلى امتداد الصراع، لم تقتصر التهدئات على صيغ معلنة؛ فقد شهدت الساحة هدنًا معلنة وأخرى غير معلنة، وكان يفترض أن تفتح هذه الفترات نافذة لتخفيف معاناة اليمنيين ودفع الحل السياسي، لا أن تصبح فرصة لالتقاط الأنفاس أو إعادة ترتيب القدرات العسكرية. ولا يمكن الجزم باستغلال كل هدنة للتسلح بلا أدلة، لكن تكرار التصعيد يفرض مساءلة عن نتائج التهدئات وضماناتها.

 

فالهدنة ليست غاية في ذاتها، ولا حصانة من المساءلة؛ فقيمتها في خفض العنف واحترام الالتزامات والتقدم نحو دولة تحتكر السلاح والقرار. وأي تهدئة لا تُقاس ببياناتها، بل بما تفرضه من التزامات قابلة للتحقق على الجميع. أما أن تحتفظ الميليشيا بقوتها، وتهاجم مؤسسات الحكومة، ثم يُطلب من الدولة مواصلة التفاوض بلا ضمانات، فذلك يحوّل الحوار إلى أداة لإدارة الأزمة وإطالة أمدها بدل حلها.

 

وهنا يبرز السؤال الأهم: هل كانت الهدن المعلنة وغير المعلنة خطوات جادة نحو السلام، أم تحولت إلى فرص لإعادة التموضع وتعزيز القوة والاستعداد لجولات جديدة من الحرب؟ الإجابة تحددها الوقائع ومدى الالتزام. لذلك يجب أن يشمل الرد حماية مؤسسات الدولة، ومحاسبة المسؤولين عن الهجوم وتعزيز الحكومة الشرعية، وربط التفاوض دوليًا بوقف الاعتداءات واحترام الالتزامات.

 

لا تفاوض ناجحًا مع سلاح يفرض شروطه بالقوة، ولا سلام مستدامًا ما لم يقم على مشروع سياسي يقبل الشراكة وسيادة القانون، لا احتكار القرار وتهديد الخصوم. فالتفاوض وسيلة لإنهاء الصراع، وليس مكافأة لمن يخرق التهدئة أو يختبر صبر المجتمع الدولي.

 

وعليه، فإن استهداف معاشيق إنذار بأن الهدن، معلنة كانت أم غير معلنة، لا تكتسب قيمتها من إعلانها، بل بما تمنعه من اعتداءات وما تفتحه من طريق إلى سلام حقيقي. ويبقى السؤال أمام اليمنيين والمجتمع الدولي: هل المطلوب تسوية تعيد القرار إلى الدولة وتنهي منطق الصواريخ، أم تهدئة تُدار خلالها الحرب حتى تنفجر من جديد؟