الكاتب : النهار
التاريخ: ١٢ اكتوبر-٢٠٢٦       7315

بقلم -امل بازيد

أحيانًا لا ننتظر ممن آذانا أن يعيد ما فقدناه؛ ننتظر أن يعترف بأنه كان سببًا في فقده. فكلمة اعتذار صادقة قد تحفظ للوجع حقه، وتمنح صاحبه شعورًا بأن ما عاشه لم يكن مبالغة، وأن ألمه لم يمرّ دون اكتراث. لكن ماذا لو لم تأتِ هذه الكلمة؟ هل نبقى أسرى انتظارها، أم نستطيع أن نغفر دون أن نسمعها؟

بين الاعتذار والمغفرة فرق يتجاوز المعنى اللغوي إلى مسؤولية كل طرف. الاعتذار اعتراف يصدر ممن أخطأ، والمغفرة عفو يختاره من وقع عليه الخطأ. وقد يلتقيان فيمهّدان لإصلاح العلاقة، وقد يأتي أحدهما دون الآخر؛ لأن صدق الأول لا يفرض الثاني، وغياب الأول لا يمنع حدوثه.

تظهر قيمة الاعتذار حين يتوقف الإنسان عن الدفاع عن صورته، وينظر بإنصاف إلى أثر فعله. فقد لا يقصد الإيذاء، لكنه آذى، وقد تكون له ظروف تفسّر تصرفه، لكنها لا تعفيه من مسؤوليته. والنضج أن يستطيع الاعتراف بذلك دون أن يحوّل الحديث إلى محاكمة لمشاعر الطرف الآخر.

أما قول: «أعتذر، لكنك بالغت في رد فعلك»، فيسحب من الاعتذار معناه؛ إذ يعود المتأذي مطالبًا بتبرير ألمه. الاعتذار الصادق يسمّي الخطأ بوضوح، ويحترم ما خلّفه، ويتبعه إصلاح ممكن. فمن شوّه سمعة إنسان أمام الناس، لا يكفيه اعتذار سرّي يترك الرواية المسيئة قائمة. ومن كرّر الأذى، يحتاج إلى تغيير يشهد لأسفه، لا إلى عبارة يتقن ترديدها.

ومع ذلك، قد يعتذر الإنسان بصدق ولا تُقبل معذرته، أو تُقبل دون أن يستعيد مكانه السابق. فبعض الأخطاء تمسّ أصل الأمان في العلاقة، ولا تعود الثقة بعدها بمجرد إعلان الندم. وللمعتذر أن يبذل ما يستطيع لإصلاح خطئه، لكن ليس له أن يحدّد للآخر متى يطمئن، أو كيف يتجاوز.

وفي المقابل، قد يغفر الإنسان لمن لم يعتذر، حين يدرك أن انتظار اعترافه أبقى حياته معلّقة بموقفه. يختار العفو وهو يعرف أن ما حدث كان مؤلمًا، ويحتفظ بحقه في وضع الحدود أو إنهاء العلاقة. فالمغفرة لا تستلزم استعادة القرب، والصفح لا يجعل تكرار الإساءة مقبولًا.

قال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. واقتران العفو بالإصلاح يفتح بابًا للتأمل في أثره؛ فالتجاوز الذي يصلح ما بين الناس يختلف عن تساهل يطمئن معه المسيء إلى أن أفعاله تمرّ بلا مسؤولية. وقد يكون بقاء المسافة أحفظ للكرامة، وأصدق في التعبير عن تغيّر العلاقة.

ولا يجوز أن تتحول الدعوة إلى المغفرة إلى ضغط على المتأذي. فالعفو يفقد معناه إذا انتُزع بالإحراج، أو استُخدم لإسكات الشكوى. يحتاج الإنسان إلى أن يُسمع، وأن يفهم ما جرى له، وأن يأخذ وقته قبل أن يختار موقفه.

وحين يختار الصفح، فإن من جماله ألّا يجعله وسيلة لإذلال من عفا عنه. قال تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾. فإذا استمرت العلاقة، فلا يبقى الخطأ سلاحًا حاضرًا في كل خلاف؛ وإن انتهت، يستطيع الإنسان أن يمضي دون أن يجعل الانتقام مشروع عمره.

نرتقي حين نعتذر دون أن نطالب بمكافأة على اعتذارنا، وحين نغفر دون أن نتنازل عن حقنا في الأمان. ففي الحالتين نحتاج إلى صدق مع أنفسنا: صدق يحملنا مسؤولية ما فعلنا، وصدق يعيننا على اختيار ما نستطيع احتماله.

همسة أمل

قد تعتذر ولا تُقبل معذرتك، وقد تغفر لشخص لم يعتذر؛ فكل منهما قرار مستقل. اعتذر لأنك مسؤول عن خطئك، وحين تختار المغفرة، تذكّر أن بوسعك أن تعفو وتبقي المسافة؛ فليس كل من سامحته يصلح أن يعود إلى حياتك.