الكاتب : النهار
التاريخ: ١٥ اكتوبر-٢٠٢٦       2090

بقلم- ريماس الصينية – الصحفية في CGTN العربية

في ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦، افتتحت في مدينة قوانغتشو الصينية الدورة الـ١٤٠ من معرض كانتون، الذي يصادف هذا العام الذكرى السبعين لتأسيسه.
وبالنسبة إلى كثير من التجار العرب، ربما لا يحتاج هذا الموعد إلى تذكير خاص. فالسفر إلى قوانغتشو مرتين كل عام، في الربيع والخريف، أصبح عادة اعتادوا عليها منذ سنوات طويلة.
من عام ١٩٥٧ إلى اليوم
في ربيع عام ١٩٥٧، افتتحت الدورة الأولى من معرض كانتون في مدينة قوانغتشو، بمشاركة أكثر من ١٢٠٠ تاجر من ١٩ دولة ومنطقة.
وبعد سبعين عاما، وصلت مساحة العرض في الدورة الـ١٤٠ إلى نحو ١٫٥٥ مليون متر مربع، بمشاركة ٣٢ ألف شركة .
خلال هذه العقود السبعة، شهد العالم تغيرات كثيرة، لكن معرض كانتون لم يتوقف. ففي كل ربيع وخريف، يواصل التجار من مختلف أنحاء العالم التوافد إلى قوانغتشو في موعدهم المعتاد.
وفي الدورة الـ١٤٠، لا يزال التجار القادمون من الشرق الأوسط من المشاركين المهمين في المعرض. ويوضح مسؤولون في مركز التجارة الخارجية الصيني أن المعرض يركز هذا العام على أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وغيرها، وقد أطلق نموذجا جديدا يجمع بين المعرض والبث المباشر الموجه إلى الخارج.
لماذا البث المباشر؟
وراء هذا النموذج الجديد اعتبار عملي للغاية.
يقول هوانغ تشانغ جيه، المسؤول في إدارة الاتصال الخارجي بمركز التجارة الخارجية الصيني، إن الهدف الأساسي هو خدمة التجار الأجانب الذين يصعب عليهم الحضور شخصيا بسبب الحروب أو الكوارث الطبيعية أو بعد المسافة أو الصعوبات الاقتصادية.
ويشارك في تقديم البث المباشر خلال هذه الدورة تسعة تجار من ثماني دول، بينها إيران والأردن ومصر وباكستان ونيجيريا، ويبلغ إجمالي متابعيهم نحو ١٫٦٥ مليون شخص.
هؤلاء التجار لديهم خبرة عميقة في مجالات عملهم، ويفهمون المنتجات واحتياجات الأسواق، ويقدمون المعروضات إلى الجمهور خلف الشاشات باللغة العربية ولغات أخرى.
لكن هناك من قرر الحضور إلى قوانغتشو رغم كل الصعوبات.
فالمشتري الفلسطيني محمود أبو عون، المقيم في المملكة العربية السعودية، اضطر إلى تغيير موعد رحلته الجوية مرتين، لكنه وصل في النهاية إلى معرض كانتون. ويقول: "لقد تسببت الحرب في كثير من المتاعب، لكنني قررت المجيء رغم ذلك".
وجاء أيضا التاجر العراقي عباس الربيعي، الذي أخبر صحفيين صينيين أن الأسعار في بلاده ارتفعت بسبب تضاعف تكاليف الشحن، لكنه أكد أن "أحدا لا يفكر في تغيير الموردين الصينيين".
أما شادي، وهو تاجر من الشرق الأوسط شارك في أكثر من عشر دورات من معرض كانتون، فيعترف بأن الرحلة هذه المرة لم تكن سهلة. ويوضح أن بعض الرحلات الجوية المباشرة توقفت بسبب الحرب، مما اضطر كثيرا من تجار الشرق الأوسط إلى السفر عبر مسارات بديلة، وهو ما زاد الوقت والجهد وتكاليف تذاكر الطيران بشكل ملحوظ.
ومع ذلك، فقد حضروا.
ستجد هنا بالتأكيد ما تبحث عنه
من بين هؤلاء التجار عبد العزيز نعيم من المملكة العربية السعودية.
على شاشة هاتفه، وفي مكان بارز، يظهر رمز تطبيق معرض كانتون الذي قام بتنزيله للتو.
ويقول للصحفيين: "يساعدني التطبيق على العثور بسرعة وسهولة على معلومات المنتجات وأماكن أجنحة الموردين داخل هذا المعرض الضخم".
ورغم أنه لا يجيد اللغة الإنجليزية كثيرا، فإنه قرر الحضور.
أما التاجر المصري أحمد السمان، فيرى أن الصين تعد حاليا أحد أفضل الخيارات المتاحة لهم، ويأمل أن تواصل الصناعة الصينية إنتاج سلع تجمع بين الجودة العالية والأسعار المناسبة.
ومن الجزائر، يشارك التاجر السنوسي عبد الله في معرض كانتون منذ ٢٥ عاما متواصلة. ويقول إن المعرض يواكب التطورات الصناعية والتكنولوجية، ويتميز بتنظيمه الاحترافي وتنوع منتجاته، مما يساعد المستثمرين الأجانب على بناء شراكات تجارية طويلة الأمد.
وهناك أيضا التاجر العربي أسامة الرفاعي، الذي اعتاد زيارة المعرض. فقد جاء عمه إلى معرض كانتون للمرة الأولى عام ١٩٩٥، ولذلك يصف نفسه بأنه من الجيل الثاني من زوار المعرض.
وقال عبارة تلخص إلى حد كبير شعور كثير من التجار العرب تجاه معرض كانتون: "إذا جئت إلى هنا، فستجد بالتأكيد المنتجات التي تحتاج إليها".
قوائم المشتريات تتغير أيضا
لم يعد التجار العرب يأتون إلى معرض كانتون لشراء المنتجات نفسها التي كانوا يبحثون عنها قبل سنوات.
فقد خصصت المرحلة الأولى من الدورة الـ١٤٠ لموضوع التصنيع المتقدم، وركزت على عرض أحدث الإنجازات في خمسة قطاعات رئيسية، تشمل الأجهزة الإلكترونية والمنزلية، والأتمتة الصناعية، والإضاءة والمعدات الكهربائية، والأدوات والمعدات المعدنية، ومركبات الطاقة الجديدة والتنقل الذكي، وذلك ضمن ١٩ منطقة عرض.
وجاء تنظيم المعرض مواكبا لاتجاهات التنمية القائمة على الابتكار والاستدامة والتكنولوجيا الذكية، مع تخصيص ١٧ منطقة للصناعات الناشئة والمستقبلية، من بينها الروبوتات الخدمية والطائرات المسيرة وتقنيات العرض.
وفي هذه الدورة، بلغت نسبة المنتجات الجديدة ٢٣٫٢٪ من إجمالي المعروضات، مسجلة مستوى قياسيا جديدا. كما ارتفع عدد المنتجات التي يتم إطلاقها لأول مرة بنسبة ١٥٪، فيما زاد عدد المنتجات الجديدة في القطاعات الناشئة والمستقبلية، مثل الروبوتات الخدمية والرعاية الصحية الذكية والطاقة الجديدة، بنحو ٢٠٪.
وبالنسبة إلى التجار العرب، يعني هذا التحول أن ما يمكنهم العثور عليه في معرض كانتون لم يعد يقتصر على المنتجات الرخيصة، بل أصبح يشمل أيضا المنتجات المتقدمة تكنولوجيا.
موعد ثابت منذ سبعين عاما
شهدت الدورة الـ١٤٠ من معرض كانتون أيضا تحسينات عديدة في الخدمات المقدمة للمشاركين.
فقد أصبح نظام الملاحة الالكترونيه داخل قاعات المعرض قادرا على تحديد مواقع الأجنحة بدقة تصل إلى متر واحد، ويغطي أكثر من ٧٥ ألف جناح.
وفي مدينة قوانغتشو، بات نحو ٩٠٠٠ بوابة في شبكة مترو الأنفاق تدعم المرور باستخدام البطاقات المصرفية الدولية مباشرة، دون الحاجة إلى شراء تذكرة منفصلة. كما يستطيع المشترون الأجانب الحصول على بطاقات دخول المعرض خلال ٣٠ ثانية فقط بعد التحقق من جوازات سفرهم.
قد تبدو هذه التفاصيل صغيرة، لكن بالنسبة إلى شخص سافر سبع أو ثماني ساعات من السعودية، وربما اضطر إلى تغيير رحلته أكثر من مرة قبل الوصول إلى قوانغتشو، فإن كل تفصيله منها يحمل رسالة واضحة: هذا المكان استعد جيدا لاستقبالك.
خلال سبعين عاما، مر معرض كانتون بتحديات وتقلبات كثيرة، لكن الفكرة الأساسية وراءه لم تتغير.
في كل ربيع وخريف، هناك موعد في قوانغتشو، موعد لا يحتاج التجار المعتادون عليه إلى اتخاذ قرار جديد بشأنه في كل مرة.
سبعون عاما... أكثر من مجرد رقم
لا تزال فعاليات الدورة الـ١٤٠ من معرض كانتون مستمرة.
داخل قاعات المعرض، تتداخل اللغتان العربية والصينية، وتتردد أصوات تطبيقات الترجمة في كل مكان.
يسجل تاجر عراقي أرقام بعض الأجنحة في ملاحظات هاتفه، بينما يقف بالقرب منه شاب سعودي يحمل هاتفه، ويعرض لمتابعيه منتجا جديدا عبر البث المباشر.
على مدى سبعين عاما، شهد العالم الحرب الباردة والأزمات المالية والجائحة والصراعات الإقليمية، لكن معرض كانتون لم ينقطع.
وبالنسبة إلى التجار العرب، تجاوز هذا اللقاء، الذي يتكرر مرتين كل عام، حدود عمليات البيع والشراء.
فهو نافذة تتيح لهم متابعة تطور الصناعة الصينية، من المنسوجات إلى مركبات الطاقة الجديدة، ورؤية  التحولات التي شهدتها المنتجات والتقنيات الصينية على مدى العقود الماضية.
وهو أيضا جسر يساعدهم على بناء الثقة والعلاقات المباشرة مع المصانع الصينية، دون الحاجة إلى الاعتماد على سلسلة طويلة من الوسطاء.
وفي وقت تتصاعد فيه النزعات الحمائية التجارية، وتشهد فيه سلاسل التوريد العالمية عمليات إعادة تشكيل، يحمل استمرار انعقاد معرض كانتون رسالة واضحة: الانفتاح ليس خيارا مؤقتا تفرضه الظروف، بل توجه طويل الأمد.
سبعون عاما من الوفاء بلقاء متجدد.
والطرف الآخر في هذا الموعد ليس الصين وحدها، بل التجار القادمون من مختلف أنحاء العالم أيضا.
إنهم يعبرون عن خياراتهم بخطواتهم، ويعودون إلى قوانغتشو عاما بعد عام، لأنهم يؤمنون بأنهم يستطيعون العثور هنا على شريك مستقر وموثوق يواصل التطور والتجدد.
أما الدورة المقبلة من معرض كانتون، فستكون في ربيع عام ٢٠٢٧.
وعندما يحين موعدها، سيأتي كثيرون مرة أخرى.
لأنهم يعرفون أن هذا الباب، الذي ظل مفتوحا طوال سبعين عاما، سيواصل انفتاحه على العالم مستقبلاً.