الكاتب :
التاريخ: ٠٢ اكتوبر-٢٠٢٦       3080

كتب✍🏻 محرر الشؤون السياسية بصحيفة النهار السعودية

يتقدّم المشهد اليمني نحو اختبار حاسم لإرادة استعادة الدولة، في ظل وضوح الهدف الذي تتمسّك به الشرعية المعترف بها دوليًا، والمتمثّل في بسط سلطتها على كامل التراب الوطني، وإنهاء استحواذ الميليشيا الحوثية على مؤسسات البلاد وقرارها.

في هذا السياق، تمنح مساندة التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية هذا الهدف عمقًا سياسيًا واستراتيجيًا، وتفتح أمام اليمنيين أفقًا لاسترداد وطن تتقدّم فيه سلطة القانون على سطوة الميليشيا، وحقوق المواطنين على امتيازات السلاح.

 

وتأتي دعوة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي إلى التعبئة العامة والنفير الوطني، وتعهّدُه بعفو يصدر وفق الإجراءات الدستورية والقانونية عمّن يترك صفوف الميليشيا الحوثية ويتوقف عن القتال معها أو العمل لصالحها، ثم موافقة البرلمان على إعلان التعبئة، لتضع المشهد أمام مسار تتكامل فيه صرامة المواجهة مع إتاحة العودة إلى الصف الوطني.

فالدولة، وهي تؤكّد عزمها على استعادة سيادتها، تفتح أمام المنخرطين في مشروع الميليشيا بابًا لمغادرته، والمشاركة في مستقبل بلادهم تحت مظلة القانون.

 

من هنا، تبرز الدلالة السياسية للجمع بين التعبئة والعفو؛ إذ تتطلّب استعادة  اليمن  مواجهة أدوات الحرب وتفكيك أسباب استمرارها في آن واحد.

فبينما تؤكّد التعبئة جدية الشرعية في حشد قدراتها، يمنح التعهّد بالعفو خيارًا لمن تحاول الميليشيا ربط مصيرهم ببقائها، ويضعهم أمام حقيقة أن الوطن يتّسع لعودتهم.

بذلك، يكتسب الحزم غايته الوطنية، وتصبح المصالحة جزءًا من استرداد الدولة لمواطنيها، على أساس الحقوق والمسؤوليات، بعيدًا عن الانتقام والإقصاء.

 

وضمن هذا المسار، تتجلّى أهمية التحالف بقيادة المملكة؛ فاستعادة دولة يمنية قادرة على ضبط أرضها وسواحلها ترتبط بأمن  اليمن  واستقرار جواره وسلامة الممرات البحرية.

لهذا، يحمل التقاء عزم الشرعية بحزم التحالف مسؤولية تتجاوز المواجهة الراهنة إلى تهيئة شروط الاستقرار، وربط استعادة السيادة بحماية المدنيين وبناء مؤسسات قادرة على صون السلام.

 

وتتعاظم ضرورة هذا الموقف مع تصاعد الأعمال الإرهابية التي تمسّ أمن المقدسات والمنشآت المرتبطة بخدمتها؛ فقد أعلن التحالف أن التحقيقات أثبتت مسؤولية الميليشيا الحوثية عن استهداف محطة “طيبة” لتوزيع الكهرباء في المدينة المنورة، التي تقدّم خدمات كهربائية للمسجد النبوي الشريف، ما تسبّب في خروج أحد المحوّلات عن الخدمة دون تأثّر الشبكة الكهربائية.

وتتجاوز خطورة هذا الاعتداء الإرهابي حدود الضرر المادي إلى دلالته وموقعه، بالنظر إلى ما تمثّله المدينة المنورة في وجدان المسلمين، وما يقتضيه أمن الحرمين الشريفين من حماية ورعاية وطمأنينة لقاصديهما.

 

لذلك، تعكس الإدانات الخليجية والعربية والإسلامية اتّساع الاستنكار لهذا الاعتداء الإرهابي، وتؤكّد رسوخ التضامن مع المملكة في حماية أمنها وسلامة المصلّين والزوار.

 

في مواجهة هذا التمادي، تتجلّى قيمة النهج السعودي الذي يجمع الحكمة والحزم؛ فهدوء إدارة المواجهة يمنح القرار اتّزانه، والردع المدروس يحمي الأمن ويمنع المعتدي من فرض منطقه.

أما استهداف المقدسات ومرافق خدمتها، فيكشف عمق التناقض بين شعارات الميليشيا الحوثية وممارساتها الإرهابية، ويقوّض ادّعاءاتها بمراعاة مصالح المسلمين.

 

وعلى امتداد هذا السلوك، تكشف الهجمات الإرهابية للميليشيا الحوثية على الملاحة التجارية محاولة إخضاع الممرات الدولية لمنطق الضغط والابتزاز، بما يعرّض السفن والبحّارة وأرزاق الشعوب للخطر.

وتؤكّد إدانات المنظمة البحرية الدولية لهذه الاعتداءات خطورة المساس بأمن الملاحة؛ فلا تمنح الشعارات أصحابها حق تهديد التجارة أو احتجاز أطقم السفن.

فوق ذلك، يدفع  اليمن  نفسه ثمن هذا التصعيد الإرهابي، وهو في أمسّ الحاجة إلى موانئ مفتوحة، وإمدادات آمنة، واقتصاد يستعيد قدرته على خدمة مواطنيه.

 

إزاء ذلك كله، يكتسب التفاؤل بعودة  اليمن  معناه حين يقترن بقدرة الشرعية على تحويل الزخم السياسي إلى قرار متماسك ومؤسسات فاعلة.

فكلّما شعر المواطن بأثر الدولة في أمنه وحقوقه ومعيشته، اتّسعت ثقته بها وتعزّز انتماؤه إلى مشروعها.

فحين تنتظم الرواتب، وتفتح المدارس، وتستعيد المستشفيات قدرتها على خدمة الناس، تصبح استعادة الدولة مصلحة يومية جامعة، ويغدو الالتفاف حولها انحيازًا إلى مستقبل يتّسع لليمنيين جميعًا.

 

في هذا الأفق، تحضر صنعاء عاصمةً ينتظر اليمنيون عودتها إلى دورها الوطني الجامع، بما تمثّله من سيادة ومؤسسات وذاكرة مشتركة.

 

ومن ثمّ، فإن الطريق إليها يتطلّب وحدة الصف، وثبات الهدف، وإرادة تحمي الإنسان وتعيد بناء ثقته بوطنه، ليكون استرداد العاصمة مدخلًا إلى استعادة الدولة بكامل مسؤولياتها.

 

ويفتح تلاقي عزم الشرعية وحزم التحالف والتضامن العربي والإسلامي أفقًا يستحق أن يتحوّل إلى واقع.

يبقى الحسم الذي يحتاجه  اليمن  هو ذلك الذي ينهي اختطاف دولته، ويضع حدًا لإرهاب الميليشيا الحوثية، ويحصر السلاح في مؤسساته الشرعية، ويصون كرامة أبنائه وحقّهم في الحياة والبناء.

عندها، *يستردّ  اليمن  قراره وغده، وتعود صنعاء عاصمةً لكل اليمنيين*، ويمضي *اليمن* إلى مستقبل تصنعه إرادة شعبه، وتحميه دولته.