الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٣ سبتمبر-٢٠٢٦       4015

بقلم- أ.تركي عبدالرحمن البلادي

يأتي اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية هذا العام والمنطقة تعيش واحدة من أكثر مراحلها حساسية واضطرابًا أزمات سياسية، وصراعات مفتوحة، وتهديدات أمنية، وتحولات متسارعة تعيد تشكيل المشهد الإقليمي والدولي وفي قلب كل ذلك، تواصل المملكة حضورها بوصفها دولة تعرف كيف تحمي مصالحها، وتحافظ على استقرارها، وتمضي في مشروعها الوطني دون أن تسمح للعواصف من حولها بأن تعطل مسيرتها.

وهنا تكتسب المناسبة معناها الأعمق.

فاليوم الوطني ليس استدعاءً للماضي فقط، رغم ما يحمله ذلك الماضي من تاريخ مجيد لا يُنسى، بل هو أيضًا قراءة لمسيرة دولة استطاعت أن تنتقل من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التأثير، ومن تثبيت أركان الوحدة إلى صناعة موقع متقدم في السياسة والاقتصاد والتنمية.

حين وحّد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- هذه البلاد، لم يكن يبني كيانًا سياسيًا فحسب، بل كان يؤسس لدولة تقوم على الأمن والوحدة والقدرة على الاستمرار ومع تعاقب العقود، تحولت تلك الرؤية إلى مؤسسات راسخة، وبنية اقتصادية واسعة، وقوة بشرية متنامية، وحضور جعل المملكة رقمًا أساسيًا في معادلات المنطقة والعالم.

واليوم، ومع ما تتعرض له دول كثيرة من ضغوط داخلية وخارجية، تبدو قيمة الاستقرار السعودي أكثر وضوحًا فالمملكة لم تكتف بحماية جبهتها الداخلية، بل عملت على تطوير قدراتها الدفاعية، وتعزيز أمنها الوطني، وإدارة ملفاتها الإقليمية بميزان يجمع بين حماية السيادة وفتح أبواب الحلول السياسية متى كانت ممكنة.

وتبرز في هذا المشهد حقيقة مهمة: أن قوة المملكة تبدأ من الداخل.

فالتلاحم بين القيادة والشعب ليس شعارًا موسميًا، بل رصيد وطني ظهر في المحطات الكبرى، وفي مواجهة التحديات، وفي الثقة بمشروع الدولة ومسارها وحين تكون الجبهة الداخلية متماسكة، يصبح الوطن أكثر قدرة على مواجهة الضغوط، وأكثر ثباتًا في حماية مصالحه وقراراته.

وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، دخلت المملكة مرحلة مختلفة في حجم الطموح وسرعة التحول اقتصاد يتنوع، ومدن تتغير، واستثمارات تتوسع، وقطاعات جديدة تولد، وإنسان سعودي أصبح في قلب مشروع التنمية وشريكًا في صناعة المستقبل.

واللافت أن هذا البناء يجري بينما المنطقة من حولنا لا تزال منشغلة بإدارة أزماتها.

وهنا تتضح إحدى أهم دلالات المسيرة السعودية: أن الدول القوية لا تنتظر هدوء العالم كي تبني مستقبلها، بل تصنع مستقبلها وهي تتعامل مع المتغيرات وتحمي مكتسباتها وتوسع دائرة حضورها.

وفي يوم الوطن، ترتفع الراية الخضراء بوصفها رمزًا لدولة صنعت وحدتها، وحافظت على سيادتها، ووسعت حضورها، واختارت أن تتقدم مهما ازدحم الطريق بالتحديات.

ستظل المملكة، بإذن الله، وطنًا يراكم قوته بهدوء، ويحفظ أمنه بثبات، ويصنع مستقبله بثقة؛ لأن الأوطان الكبيرة لا تختصرها المناسبات، بل تكشفها المواقف.