الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٣ سبتمبر-٢٠٢٦       2365

بقلم: محمد الكناني الزهراني

لسنا في اليوم الوطني نحتفل بتاريخٍ مكتوب على الورق فحسب، بل نحتفل بفكرةٍ انتصرت على المستحيل، وُلدت في زمنٍ لم يكن فيه ذهبٌ أسود، ولا مقدراتٌ اقتصادية ضخمة، بل كان فيه رجالٌ يحملون الإيمان والعزيمة والإرادة.

قبل ستةٍ وتسعين عامًا، لم تكن هذه الأرض مجرد صحراء عبرها التاريخ، بل كانت موعدًا مع قرارٍ غيّر مجرى الزمن؛ قرار رجلٍ وحّد الشتات بعزيمته وحكمته وشجاعته، وجعل من الخوف أمنًا، ومن الفرقة والعصبية وطنًا واحدًا شامخًا.

من هنا بدأت الحكاية؛ من إيمانٍ عميق بأن هذه الأرض خُلقت لتكون كبيرة، وأن أبناءها قادرون على صناعة مستقبلها مهما كانت التحديات. فجذورنا ليست نخلةً وسيفين فحسب، بل هي ذلك الصبر الذي علّمنا أن نزرع في الصخر، وأن نحوّل الصحراء إلى واحاتٍ خضراء، وذلك الكرم الذي جعلنا نفتح قلوبنا قبل أبواب بيوتنا، وذلك الشموخ الذي منح هذا الوطن هيبته وقوته ومكانته.

مرّت ستة وتسعون عامًا من المجد، وكبر الوطن خلالها بمعنى الإنجاز لا بعدد السنوات. كان وطنًا يحمي حدوده ويصون أمنه، ولا يزال يحمل القوة ذاتها التي غرسها المؤسس في أبنائه، لكنه أصبح اليوم وطنًا يُلهم، ويتقدم، ويصنع الفرص، ويشارك في رسم ملامح المستقبل.

ولم تعد المملكة تبحث عن موقعها على خريطة العالم، فقد صنعت لنفسها مكانةً راسخة وأصبحت حاضرةً في ميادين السياسة والاقتصاد والتنمية والثقافة والابتكار، برؤيةٍ وطنيةٍ طموحة نقلت الأحلام من فضاء الأمنيات إلى واقع الخطط والإنجازات.

وجاءت رؤية السعودية 2030 لتجعل الحلم خطة، والخطة مشروع وطن، وليرى أبناء المملكة وبناتها في مختلف مناطقها أنفسهم شركاء في صناعة المستقبل، لا متفرجين عليه؛ يساهم كلٌ منهم بعلمه وعمله وموهبته في بناء وطنٍ لا يتوقف عن الطموح.

الوطنية ليست نشيدًا نحفظه ونردده، ولا رايةً نرفعها في المناسبات وحدها، بل مسؤولية نحملها على عواتقنا. وأن تكون سعوديًا اليوم يعني أن تدرك أنك امتدادٌ لملحمة وطنية عظيمة، وأن كل خطوة تخطوها بإخلاص في العلم أو العمل، وكل نجاح تحققه، هو لبنة جديدة في صرح هذا الوطن الذي بناه الملك عبدالعزيز، وواصل أبناؤه البررة مسيرة بنائه وتنميته.

وطننا العظيم لا يُقاس بعمره وحده، وإنما بما يسكن قلوب أبنائه من يقينٍ بأنه وطنٌ لا يعود إلى الخلف، بل يمضي بثبات نحو المستقبل، ويبني مجده من نجاحٍ إلى نجاح، ومن طموحٍ إلى طموح أكبر.

في يوم الوطن السادس والتسعين، نستعيد ذاكرة المجد التي لا تشيخ، ونجدّد العهد بأن تبقى المملكة شامخةً بأبنائها، قويةً بوحدتها، خضراء القلب، بيضاء النية، عالية الراية.

عاشت المملكة العربية السعودية عزيزةً شامخة، وكل عامٍ ووطننا في أمنٍ ومجدٍ وازدهار.