الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٢ سبتمبر-٢٠٢٦       3080

 بقلم ـ علي بن عيضة المالكي

في اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين، نستحضر مسيرة وطنٍ جعل من الوحدة أساسًا للاستقرار، ومن الاستقرار منطلقًا للبناء، ومن الطموح طريقًا إلى المستقبل. ستة وتسعون عامًا حملت خلالها المملكة العربية السعودية مشروعًا وطنيًا متدرجًا، انتقل بها من مرحلة التأسيس إلى دولة حديثة ذات حضور مؤثر، واقتصاد متنوع، ومكانة راسخة، ومنجزات تمتد إلى مختلف جوانب الحياة.

وقد شكّل الإنسان السعودي محورًا أساسيًا في هذه المسيرة، فجاء التعليم في مقدمة القطاعات التي حظيت بعناية واسعة واستثمار متواصل. شهدت المنظومة التعليمية توسعًا كبيرًا في المدارس والجامعات والمرافق التعليمية، وتطورًا في المناهج والبرامج، واهتمامًا بجودة المخرجات وتنمية المهارات وتأهيل المعلمين ورعاية الموهوبين والمتفوقين. كما أسهم التحول الرقمي في تطوير البيئة التعليمية، وتوسيع استخدام المنصات والتقنيات الحديثة، وتعزيز قدرة المؤسسات التعليمية على مواكبة متطلبات المعرفة والاقتصاد الرقمي.

وامتد التطوير إلى التعليم الجامعي والبحث العلمي، فتنوعت البرامج والتخصصات، وتعززت مجالات الابتكار وريادة الأعمال والشراكات العلمية، وأصبحت الجامعات شريكًا فاعلًا في التنمية وإنتاج المعرفة وتأهيل الكفاءات الوطنية. ويؤكد هذا المسار أن بناء الوطن يبدأ ببناء الإنسان، وأن المدرسة والجامعة يمثلان أحد أهم ميادين صناعة المستقبل.

وفي القطاع الصحي، توسعت شبكة المستشفيات والمراكز الطبية، وتطورت الخدمات العلاجية والوقائية، وتقدمت برامج التحول الصحي والرعاية الرقمية، بما يعزز جودة الخدمات ويرفع كفاءة المنظومة الصحية، ويضع صحة الإنسان وجودة حياته في قلب الأولويات الوطنية.

وعلى الصعيد الاقتصادي، اتجهت المملكة نحو تنويع مصادر الدخل وتنمية قطاعات جديدة في السياحة والصناعة والتقنية والخدمات اللوجستية والاستثمار والطاقة، مع المحافظة على مكانة قطاع الطاقة وأهميته للاقتصاد العالمي. وأسهم هذا التحول في توسيع الفرص الاقتصادية، واستقطاب الاستثمارات، ودعم ريادة الأعمال، وفتح مجالات جديدة أمام الكفاءات الوطنية.

وشهدت البنية التحتية تطورًا واسعًا شمل الطرق والمطارات والموانئ وشبكات النقل والخدمات البلدية والإسكان، إلى جانب مشروعات كبرى في مختلف مناطق المملكة، أسهمت في تعزيز الترابط بين المدن والمناطق، ورفعت كفاءة الخدمات، ودعمت النمو الاقتصادي والعمراني.

وفي التقنية والتحول الرقمي، قطعت المملكة خطوات واسعة في تطوير الخدمات الحكومية الإلكترونية، وتوظيف البيانات والذكاء الاصطناعي، ودعم الشركات التقنية والاقتصاد الرقمي. وأصبحت التقنية عنصرًا حاضرًا في التعليم والصحة والاقتصاد والخدمات الحكومية، ومحركًا مهمًا في مسار التحول الوطني.

كما شهد القطاع الثقافي حضورًا متناميًا، مع اتساع مجالات الأدب والفنون والمسرح والسينما والمتاحف والفعاليات الثقافية، وظهور مساحات جديدة أمام المواهب السعودية للإبداع والتعبير والمشاركة في الحراك الثقافي محليًا ودوليًا.

وفي السياحة، برزت المملكة كوجهة عالمية بما تمتلكه من مواقع تاريخية وطبيعية وثقافية، إلى جانب المشروعات السياحية الكبرى التي أسهمت في تنويع الاقتصاد، واستثمار المقومات الجغرافية والحضارية، وتعريف العالم بما تمتلكه المملكة من ثراء ثقافي وطبيعي.

وفي الرياضة، توسعت المشاركة المجتمعية، وتطورت المنشآت الرياضية، واستضافت المملكة بطولات وفعاليات دولية، وأصبح القطاع الرياضي مجالًا واسعًا للاستثمار والتطوير واكتشاف المواهب وتعزيز جودة الحياة.

وتتصل هذه المنجزات بمسار أوسع يتمثل في تطوير كفاءة المؤسسات، وتعزيز الحوكمة، وتحسين بيئة الأعمال والاستثمار، وتحديث الأنظمة والخدمات، بما يرفع قدرة الدولة والمجتمع على مواكبة التحولات العالمية والاستفادة من الفرص الجديدة.

إن اليوم الوطني السعودي يمثل مناسبة لاستحضار هذه المسيرة بكل ما تحمله من دلالات وطنية، فالوطن لا يُختصر في ذكرى تاريخية، وإنما يتجدد حضوره في مدرسة تفتح أبواب المعرفة، ومستشفى يقدم الرعاية، ومشروع اقتصادي يصنع فرصة، وطريق يربط مدينة بأخرى، وعالم سعودي يبتكر، وشاب يحقق طموحه، ومؤسسة تعمل بكفاءة لخدمة المجتمع.

ستة وتسعون عامًا من البناء المتواصل، صنعت وطنًا حاضرًا في الاقتصاد والمعرفة والتقنية والثقافة والرياضة، ورسخت مكانته في محيطه العربي والإسلامي والدولي. ومسيرة بهذا الامتداد تضع أمام الأجيال مسؤولية المحافظة على المكتسبات، وتعظيم أثرها، والمشاركة في صناعة مراحل جديدة من التنمية.

في اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين، تتجدد مشاعر الاعتزاز بوطنٍ راسخ الجذور، واسع الطموح، متجدد المنجزات، يستند إلى تاريخه في بناء حاضره، ويصنع من الحاضر طريقًا إلى مستقبل أكثر ازدهارًا.

دامت المملكة العربية السعودية وطنًا شامخًا، ودامت قيادتها وشعبها في عز ورفعة، وكل عام والوطن بخير ومجد.