الكاتب : النهار
التاريخ: ٢١ سبتمبر-٢٠٢٦       2255

بقلم: د. عبدالله بن عبدالرحمن الشريف

في اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين، لا نستعيد مجرد ذكرى وطنية عزيزة، بل نقف أمام مسيرة وطن استطاع، بعون الله ثم بحكمة قيادته وعزيمة أبنائه وبناته، أن يحول الطموح إلى إنجاز، والتحديات إلى فرص، والرؤية إلى واقع يتشكل أمامنا يوماً بعد يوم.
إن اليوم الوطني مناسبة للاعتزاز بتاريخ المملكة العربية السعودية ووحدتها الراسخة، لكنه في الوقت ذاته مناسبة للتأمل في حاضرها واستشراف مستقبلها. فالأوطان العظيمة لا تقيس تقدمها فقط بما شيدته من مدن وطرق ومشروعات كبرى، وإنما بما صنعته في الإنسان، وبما أوجدته من فرص، وبما غرسته في الأجيال من قيم الانتماء والمسؤولية والطموح.
ومن يتأمل مسيرة المملكة في السنوات الأخيرة يلحظ حجم التحولات التي يشهدها وطننا في مختلف المجالات؛ اقتصادياً واجتماعياً وتعليمياً وتقنياً وثقافياً. ولم يعد المواطن مجرد مستفيد من التنمية، بل أصبح شريكاً في صناعتها، ومساهماً في تحقيق مستهدفاتها، وعنصراً رئيساً في بناء مستقبلها.
وهنا تبرز إحدى أهم الرسائل التي ينبغي أن نستحضرها في هذه المناسبة: أن الاستثمار الحقيقي في مستقبل الوطن يبدأ من الاستثمار في الإنسان.
فالإنسان المؤهل، الواعي، القادر على التعلم والتطوير والابتكار، هو الأساس الذي تقوم عليه التنمية المستدامة. ولذلك أصبحت تنمية القدرات البشرية، وتطوير القيادات، وتمكين المواهب، وتأهيل الشباب والشابات، وتعزيز ثقافة التعلم المستمر، من أهم الممكنات لبناء اقتصاد تنافسي ومجتمع حيوي ووطن طموح.
وفي عالم تتسارع فيه التحولات التقنية والاقتصادية، وتتغير فيه المهارات المطلوبة بوتيرة غير مسبوقة، لم يعد التعليم والتدريب والتطوير المهني خيارات إضافية، بل أصبحت ضرورة وطنية واستراتيجية. فالتحدي لم يعد في امتلاك المعرفة فقط، وإنما في القدرة على تحويلها إلى مهارة، وممارسة، وإنتاجية، وأثر مستدام.
ومن هذا المنطلق، فإن مسؤولية تنمية الإنسان لا تقع على جهة واحدة. إنها مسؤولية مشتركة بين مؤسسات التعليم، والقطاع الحكومي، والقطاع الخاص، والقطاع غير الربحي، ومؤسسات التدريب والتطوير، والقادة، والمدربين، والمستشارين، والأسر، والأفراد أنفسهم.
نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى بناء منظومة متكاملة لا تكتفي بتقديم البرامج والمبادرات، وإنما تسأل بصورة مستمرة: ما الأثر الذي أحدثناه؟ ما الذي تغير في أداء الإنسان؟ كيف تحسنت إنتاجيته؟ وما القيمة التي أضافها إلى منظمته ومجتمعه ووطنه؟
إن الانتقال من النشاط إلى الأثر، ومن الإنفاق إلى الاستثمار، ومن المبادرات المتفرقة إلى المنظومات المستدامة هو أحد أهم التحولات التي ستحدد جودة ما نقدمه للأجيال القادمة.
وفي قلب هذه المسيرة تأتي القيادة.
فالقادة في كل المستويات ليسوا مسؤولين فقط عن إدارة الموارد وتحقيق النتائج، وإنما عن صناعة البيئة التي يستطيع فيها الإنسان أن يتعلم، ويبدع، ويشارك، ويتحمل المسؤولية. القيادة التي يحتاجها المستقبل هي قيادة تؤمن بالإنسان، تستثمر في قدراته، تكتشف المواهب، تبني الثقة، وتشجع المبادرة، وتفتح المجال أمام الأفكار الجديدة.
كما أن التحولات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة تجعل مسؤوليتنا أكبر في إعداد الإنسان للمستقبل. فالتقنية ستغير كثيراً من طرق عملنا، لكنها لا تلغي قيمة الإنسان؛ بل تجعل المهارات الإنسانية في القيادة والحكمة والتواصل والتفكير النقدي والإبداع واتخاذ القرار أكثر أهمية.
ومع كل ما يتحقق في وطننا، فإن أجمل ما في الطموح السعودي أنه لا يتوقف عند إنجاز تحقق، بل ينطلق منه نحو إنجاز أكبر.
وهذه هي الروح التي نحتاج أن نحملها معنا في اليوم الوطني: الامتنان لما تحقق، والثقة فيما هو قادم، والشعور بالمسؤولية تجاه ما يجب علينا أن نقدمه.
فالانتماء الحقيقي للوطن لا يقتصر على المشاعر والشعارات، على أهميتها وجمالها، وإنما يتجسد في العمل والإتقان والأمانة والمبادرة وخدمة المجتمع والمحافظة على مكتسبات الوطن. وكل مواطن، في موقعه وتخصصه، يستطيع أن يكون جزءاُ من قصة النجاح السعودية.
المعلم حين يبني عقلًا هو شريك في الوطن.
والقائد حين يمكّن فريقه هو شريك في الوطن.
والموظف حين يتقن عمله هو شريك في الوطن.
ورائد الأعمال حين يصنع فرصة هو شريك في الوطن.
والمدرب حين يبني قدرة حقيقية هو شريك في الوطن.
والشاب والشابة حين يحولان الطموح إلى إنجاز فهما يكتبان فصلاً جديداً في مسيرة وطنهما.
وفي اليوم الوطني السادس والتسعين، يحق لنا أن نفتخر بوطننا، بقيادته، وبمنجزاته، وبأبنائه وبناته، ولكن الأهم أن نجعل من هذا الفخر طاقة للعمل والمسؤولية وصناعة المستقبل.
وطننا لا ينتظر منا أن نحتفل به يوماً واحداً، بل أن نبنيه كل يوم.
أن نحافظ على مكتسباته، ونطور مؤسساته، ونستثمر في إنسانه، ونكتشف مواهبه، ونفتح أمام شبابه آفاق المستقبل، ونحوّل رؤيته الطموحة إلى أثر مستدام يلمسه الإنسان وتتناقله الأجيال.
وفي هذه المناسبة الوطنية الغالية، أرفع أسمى آيات التهاني إلى مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وإلى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وإلى الشعب السعودي الكريم.
ونسأل الله أن يحفظ المملكة العربية السعودية، ويديم عليها أمنها واستقرارها وازدهارها، وأن تبقى وطناً للطموح والإنجاز، ومنارةً للمعرفة والتنمية، وأرضاً تتحول فيها الأحلام إلى واقع، والقدرات إلى إنجازات، والإنجازات إلى أثر يبقى للأجيال.
كل عام ووطننا أكثر عزاً وازدهاراً،
وكل عام ونحن أكثر مسؤوليةً وإسهاماً في صناعة مستقبله.