الكاتب :
التاريخ: ١٨ سبتمبر-٢٠٢٦       7865

بقلم - الشيخ نور الدين محمد طويل

يشهد العالم اليوم توترات متصاعدة، تشمل جوانب سياسية وفكرية ودينية، ومن أخطر مظاهرها سرعة انتشار فتاوى التكفير والتحريض، التي تتخذ من الدين ذريعة لاستباحة دماء الأبرياء، وتدمير الممتلكات العامة والخاصة، والدين منها براء.

 

ومن يتأمل نصوص الكتاب والسنّة يجد دعوة صريحة إلى الحكمة والرحمة وحسن الخطاب؛ قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. كما تقرر الشريعة حرمة الدماء والأموال، وتصون كرامة الإنسان، وتدعو إلى العدل والتسامح والتعايش الآمن بين الناس.

 

وقد كان سلفنا الصالح، رحمهم الله، يتورعون عن الخوض في التكفير والتفسيق، مع رسوخهم في العلم وسعة معرفتهم؛ لما يترتب على ذلك من آثار خطيرة وعواقب لا تُحمد عقباها.

 

وإذا كان هذا شأنهم، فما بال من لم يبلغ منزلتهم في العلم يتجرأ على النصوص الشرعية، وينفرد بفهمها بعيدًا عن منهجهم؟ فالرجوع إلى الكتاب والسنّة هو أصل الدين ومصدر الهداية، وليس موضع الإشكال، وإنما الخلل في فصلهما عن فهم الصحابة ومن تبعهم بإحسان، أو الإقدام على تفسير النصوص وتنزيلها على الوقائع من غير امتلاك أدوات العلم والاستنباط.

 

وقد أسهم ذلك في ظهور فوضى الفتاوى، وتصدّر أشخاص لا يمتلكون الرسوخ في العلم الشرعي، ولا المعرفة الكافية بأصول الفقه وقواعد الاستدلال ومقاصد الشريعة ومراتب الأدلة ووجوه الجمع والترجيح.

 

ومن أخطر عواقب هجر منهج السلف الصالح طغيان الجهل والتقول على الله تعالى بغير علم، حتى تتكون لدى بعض غير المسلمين صورة مشوهة عن الإسلام بسبب تصرفات من ينتسبون إليه وهم يجهلون أحكامه ومقاصده. وقد يبلغ الخلل ببعض المتصدرين أنهم لا يحسنون أوليات اللغة التي نزل بها الوحي، ولا يميزون، على سبيل المثال، بين الوَضوء بفتح الواو، وهو الماء الذي يُتوضأ به، والوُضوء بضمها، وهو فعل الطهارة.

 

ومما امتاز به علماء السلف قربهم من عهد الرسالة، وتمكنهم من اللغة العربية وأدوات الاستنباط، ومعرفتهم بسياقات النصوص وأسباب ورودها، إلى جانب تفرغهم للعلم، وإقبالهم عليه، وبذلهم الوسع في تحصيله وتعليمه. وهذه مزايا لا يستطيع المتأخر الاستغناء عنها، ولا سيما مع بُعد العهد، وتعقد الحياة، وتنوع قضاياها وأساليبها وأنماطها.

 

أما المذاهب الأربعة، فهي ليست بديلًا عن النصوص الشرعية، بل مدارس علمية راسخة لفهمها وتنزيلها. وقد توافرت همم أفذاذ العلماء على خدمتها جمعًا وشرحًا وتعليقًا ومراجعةً وتمحيصًا، حتى غدت بناءً علميًّا محكمًا يستوعب عامة أبواب الفقه. ولا يخرج عن أبوابها إلا ما يستجد من النوازل، مع أن أصولها وقواعدها وكثيرًا من فروعها ترشد الفقيه إلى أحكام تلك النوازل، متى أحاط بها وأحسن النظر والاستنباط.

 

وقد دل النبي صلى الله عليه وسلم على فضل القرون الأولى بقوله: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» متفق عليه. وجاء في حديث افتراق الأمة وصف سبيل النجاة بأنه: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي». وفي ذلك توجيه إلى لزوم هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، والاقتداء بمنهجهم في فهم الدين والعمل به.

 

وقد كشفت حوادث العنف التي شهدتها بلدان عديدة، ومنها دول غربية، عن خطورة الفتاوى المنحرفة والخطابات التحريضية؛ فحين تُنتزع النصوص من سياقاتها، ويتولى تفسيرها غير المؤهلين، قد تتحول الكلمة إلى أداة للقتل والتخريب، ويقع الظلم على الأبرياء، ثم تُلصق تلك الجرائم بالإسلام والمسلمين.

 

وإذا كان الغلو في التكفير ناتجًا عن سوء فهم النصوص، فإن إنكار السنّة يمثل انحرافًا آخر في الاتجاه المقابل. وممن عنوا بتفنيد شبهات من يسمّون بـ«القرآنيين»، الذين يدعون إلى الاكتفاء بالقرآن وإنكار حجية السنّة، معالي الشيخ الدكتور عبداللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ، وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية، في كتابه القيّم «ضلال القرآنيين المستغنين بالقرآن عن السنّة».

 

وقد استشهد في كتابه بما جاء في «مجموع فتاوى ومقالات متنوعة» لسماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز، رحمه الله، إذ قال: «أما هؤلاء المتأخرون المنكرون للسنّة فقد أتوا منكرًا عظيمًا، وبلاءً كبيرًا، ومعصيةً عظيمةً؛ حيث قالوا: إن السنّة لا يُحتج بها، وطعنوا فيها وفي رواتها وفي كتبها».

 

ثم بيّن سماحته ما بذله علماء الحديث من جهود عظيمة في تلقي السنّة وحفظها ونقلها وتدوينها، وما أقاموه من قواعد دقيقة لنقد الروايات وتمييز صحيحها من ضعيفها، ومعرفة أحوال الرواة، وكشف الكذابين والوضاعين؛ حتى بقيت السنّة محفوظة في كتبها المعتمدة، واضحة المعالم لأهل العلم والاختصاص.

 

إن العناية بمنهج السلف الصالح في فهم النصوص الشرعية هي التي تعين المسلم على إدراك مقاصد الدين بعيدًا عن الغلو والجفاء، وتجعله يعيش آمنًا مطمئنًا مع أخيه المسلم ومع غيره، محافظًا على الحقوق، صائنًا للدماء، ملتزمًا العدل والإحسان.

 

ولا يعني اتباع هذا المنهج الجمود أو إغلاق باب الاجتهاد، وإنما يعني وضع الاجتهاد في إطاره العلمي المنضبط، وربط الفروع بأصولها، وفهم النصوص في ضوء قواعد اللغة والشريعة ومقاصدها. فالمنهج الصحيح يجمع بين ثبات الأصول، وسعة الاجتهاد في النوازل، والإدراك الواعي لمتغيرات العصر.

 

ومن هنا، تقع على المؤسسات الإسلامية والمجامع الفقهية وهيئات البحوث والإفتاء مسؤولية كبيرة في التصدي لظواهر التكفير والغلو وإنكار السنّة، وحماية صورة الإسلام الذي جاء رحمة للعالمين.

 

كما تتحمل وسائل الإعلام المختلفة مسؤولية مهنية وأخلاقية في إسناد المادة الدينية إلى أهل العلم والكفاءة، ممن يجمعون بين الرواية والدراية، ويتحلون بالوعي والحكمة والمسؤولية.

 

وينبغي كذلك التعامل بحذر مع ما يُنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتثبت من الأخبار والفتاوى والمقاطع المتداولة قبل نشرها أو إعادة تداولها؛ فقد يستغل دعاة الفتنة والتكفير هذه المنصات لترويج أفكارهم المنحرفة وبضاعتهم الخاسرة.

 

فالنجاة لا تكون بالشعارات، ولا بالجرأة على النصوص، وإنما بالعلم الراسخ، والرجوع إلى أهله، والتمسك بالكتاب والسنّة وفق فهم السلف الصالح؛ ففي ذلك الفوز العظيم، والأمن من مزالق الغلو والجهل والانحراف.

 

عن الكاتب: إمام وخطيب المركز الثقافي الإسلامي بمدينة درانسي، شمال باريس، فرنسا