الكاتب : النهار
التاريخ: ١٧ سبتمبر-٢٠٢٦       7425

بقلم: د. خالد بن يحيى القحطاني 

في إحدى جلسات McKinsey المخصصة لإعداد القيادات المستقبلية لتولي منصب الرئيس التنفيذي، استُضيف ثلاثة رؤساء تنفيذيين ناجحين، وطُرح عليهم السؤال نفسه: 

ما وظيفة الرئيس التنفيذي؟

الأول قال إن جوهر المهمة هو تخصيص الموارد، وتحديد الأعمال التي ينبغي الدخول فيها أو الخروج منها. بينما الثاني رأى أنها تكمن في بناء الثقافة، وتحفيز العاملين، والتوظيف الأمثل للموارد البشرية واكتشافها. أما الثالث اختصرها في التنفيذ، وإدارة الأداء، ومتابعة التقارير وإيقاع العمل التشغيلي.

المثير أننا لا يمكن أن نقول أن أياً منهم أخطأ الإجابة، وبقيت المفارقة: 

قادة ناجحين (ثلاثة)، وثلاث تعريفات (مختلفة) للدور نفسه.

ومن هنا بدأ السؤال الأهم: 

إذا كان الناجحون أنفسهم يختلفون في تعريف القيادة العليا، فما الذي يميز أفضلهم فعلاً؟

‏McKinsey أجابت عن هذا السؤال في أحد تقاريرها، مستندة إلى عدد من الأبحاث والرؤى حول القيادة التنفيذية، وإلى بيانات امتدت لأكثر من عشرين عاماً، شملت 7,800 رئيس تنفيذي في 3,500 شركة عامة، عبر 70 دولة و24 قطاعاً. ولم يُقَس النجاح بالنتائج المالية وحدها؛ بل نُظر أيضاً إلى استدامة الأداء، والسلوك الأخلاقي، والأثر الاجتماعي والبيئي، والتخطيط للخلافة القيادية، وما يحدث بعد مغادرة القائد. 

وهنا (وقبل الدخول في نتائج ابحاثها) تظهر لنا دلالة مهمة: 

القائد لا يُقاس فقط بما يحققه وهو حاضر، بل بما يبقى قائماً بعد أن يغادر.

تضمن التقرير أنه ومع اختلاف الشخصيات والقطاعات هناك سمة تتكرر لدى أفضل القادة او ما يمكن أن نسميهم القادة الحقيقيون، وهذه السمه هي: الشجاعة.

الشجاعة هنا ليست اندفاعاً أو ميلاً إلى المخاطرة، بل ألا يتعامل القائد مع الواقع الذي ورثه بوصفه (قدراً نهائياً) فكل قائد وبطبيعة الحال يرث موارد، ومواهب، وثقافة، واستثمارات، وقيود وظروف (لم يختر) معظمها، والسؤال: 

هل يكتفي بقيادتها كما وجدها، أم يمتلك الشجاعة ليسأل: ما الذي يمكن إعادة تشكيله؟

التقرير يقدم أيضاً مثالاً لافتاً من Mastercard؛ إذ أعاد رئيسها التنفيذي Ajay Banga تعريف السوق نفسه. فبدلاً من أن تنحصر المنافسة بين شركات البطاقات، نظر إلى حقيقة أن المعاملات الإلكترونية كانت تمثل نحو 20% فقط من إجمالي المعاملات، فأصبح السؤال: كيف نحول مزيداً من التعاملات النقدية إلى إلكترونية؟ وهكذا أصبح المنافس الحقيقي هو النقد نفسه.

وهنا تظهر الشجاعة القيادية بوضوح: ألا يكتفي القائد بتحسين موقعه داخل الواقع القائم، بل أن يمتلك الشجاعة لإعادة تعريف هذا الواقع نفسه

وهذه من أعمق أفكار التقرير، فالقائد الحقيقي،، لا يسأل فقط: كيف ننجح في الميدان القائم؟ بل يسأل قبل ذلك: هل هذا هو الميدان الذي يستحق أن نوجّه إليه الجهد والموارد؟ وهل القضية التي نطاردها بحجم ما نبذله من أدوات وقدرات؟ وهذا قريب مما يصفه Scott Keller بإعادة صياغة اللعبة وتغيير ملعب التفكير نفسه، وهو أيضاً ما يختصره الشاعر حامد زيد في إحدى قصائده حينما يقول:

"الرمح غالي والفريسة ذبابة".

فالشجاعة ليست في كثرة الحركة، بل في أن يختار القائد معركةً تبرر ما يُسخَّر لها من وقت وموارد وقدرات.

ومع كل هذا، فالشجاعة وحدها لا تصنع قائداً. يشبه Keller الرئيس التنفيذي برياضي العشاري؛ وهي مسابقة لا يكفي فيها التفوق في لعبة واحدة، بل تتطلب أداءً قوياً عبر عشر مسابقات مختلفة. وكذلك القيادة العليا؛ لا تكفي رؤية بلا تنفيذ، ولا تنفيذ بلا فريق، ولا ثقافة بلا قرارات، ولا انشغال بالداخل مع غياب عما يحدث خارجه. فالقائد المتميز لا يُقاس بمهارة منفردة، بل بقدرته على الجمع بين مهارات متعددة في الوقت نفسه.

ولهذا تلخص McKinsey دور الرئيس التنفيذي في ستة أبعاد مترابطة: 

تحديد الاتجاه، ومواءمة المنظمة، وتعبئة القادة، والتعامل مع مجلس الإدارة، والتواصل مع أصحاب المصلحة، والمحافظة على الفاعلية الشخصية للقائد.

وتضيف Carolyn Dewar، الشريكة الأولى في McKinsey وإحدى مؤلفات كتاب CEO Excellence، صورة معبّرة؛ إذ تقول إن القائد يحتاج إلى «مجهر وتلسكوب» في الوقت نفسه: مجهر يلتقط به تفاصيل الحاضر، وتلسكوب يستشرف به ما يتشكل في الأفق. فالقيادة لا تحتمل الغرق في اليوم حتى يغيب المستقبل، ولا الانشغال بالمستقبل حتى تُهمل تفاصيل الحاضر. 

وهنا نعود إلى السؤال الأول: أي الرؤساء الثلاثة كان على حق؟

ربما كانوا جميعاً على حق؛ لكن كل واحد منهم كان يرى جزءاً من الصورة. فالقيادة ليست اختياراً بين الاستراتيجية والثقافة والتنفيذ، بل قدرة على جمعها في مشهد واحد، ومعرفة ما الذي تحتاجه اللحظة، وما الذي يجب أن يتقدم فيها.

ومن هنا تأخذ الشجاعة معناها الحقيقي؛ فهي ليست رفض الواقع لمجرد رفضه، بل رؤيته بوضوح، والتمييز بين ما يستحق المحافظة عليه وما يستحق إعادة تشكيله. فالقائد لا يغيّر كل شيء، لكنه أيضاً لا يجعل الموروث حجة لعدم التغيير.

ولكل القادة ،، تذكروا جيداً: 

اليد (المرتعشة) لا تقوى على البناء، والقيادة التي تخشى تغيير ما يستحق التغيير قد تحافظ على الواقع، لكنها ( حتماً) ستجد نفسها يوماً ما على (هامش) التاريخ.