بقلم ـ علي بن عيضه المالكي
تعود أزمة الحوثي إلى الواجهة كلما ظن الجميع أن مساحة الصراع بدأت تضيق، وكلما بدا أن طريق السلام يمكن أن يجد لنفسه موطئ قدم في الساحة اليمنية. فالجماعة التي ارتبط اسمها خلال السنوات الماضية بالصواريخ والطائرات المسيّرة واستهداف المدن والمنشآت الحيوية، أعادت فتح دائرة التصعيد من جديد ضد المملكة العربية السعودية، لتضعها أمام تهديد حقيقي يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة ويمس أمنها الوطني واستقرار المنطقة بأسرها.
الاعتداءات الحوثية المتواصلة ضد السعودية تكشف أن المشكلة أعمق من جولة عسكرية تنتهي باتفاق مؤقت. فحين تصبح المدن والمنشآت الاقتصادية والطاقة أهدافًا، يتحول السلاح من وسيلة ضغط إلى أداة لإعادة تشكيل المعادلة السياسية بالقوة. وفي أحدث تصعيد، استهدفت هجمات حوثية في 8 سبتمبر 2026م عددًا من المدن والمنشآت الحيوية في جنوب المملكة، وأصيب عشرات المدنيين، بينهم نساء وأطفال، كما طالت الهجمات منشآت للطاقة وأدت إلى اضطرابات مؤقتة في بعض العمليات.
هنا تتضح خطورة الموقف؛ فالسعودية لا تعتبر مجرد طرف جغرافي في الأزمة اليمنية، لكنها دولة ذات ثقل سياسي واقتصادي وأمني في المنطقة. وأي محاولة لاستهداف منشآتها الحيوية أو التأثير في حركة الطاقة والتجارة لا تتوقف آثارها عند الحدود الخاصة بمصالحها، وإنما تمتد إلى الأسواق الإقليمية والدولية. وقد انعكس التصعيد الأخير سريعًا على أسعار النفط، بما يؤكد أن أمن المملكة يرتبط بصورة مباشرة باستقرار الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة.
وتزداد الخطورة حين تتزامن الهجمات على السعودية مع تهديد الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. فهذه الممرات البحرية تمثل شرايين رئيسية للتجارة الدولية، وأي محاولة لتحويلها إلى مساحة للابتزاز العسكري تضع أمن المنطقة أمام معادلة شديدة التعقيد. وقد أشارت تقارير حديثة إلى أن التصعيد الحوثي شمل تهديد حركة السفن التجارية، بالتزامن مع تحركات عسكرية حول مناطق استراتيجية على الساحل اليمني.
المشكلة، إذن، تتجاوز حدود العلاقة بين السعودية والحوثيين. عندما تمتلك جماعة مسلحة القدرة على استهداف المدن والمنشآت الاقتصادية وتهديد الممرات البحرية، فإنها تصبح عاملًا مؤثرًا في الأمن الإقليمي، وتتحول الأزمة اليمنية من نزاع داخلي إلى أزمة ذات امتدادات دولية. وهذا ما يجعل التعامل معها بحاجة إلى رؤية تتجاوز الرد على الهجوم إلى معالجة البيئة التي تسمح بتكرار الهجمات وإعادة إنتاج الصراع.
والأكثر إثارة للقلق أن تجدد المواجهة يأتي في وقت كان اليمن بأمسّ الحاجة إلى تثبيت الهدوء وتهيئة الظروف لتسوية سياسية. فالهدنة التي خففت مستوى العنف لسنوات أظهرت أن خفض التصعيد ممكن، لكنها أظهرت في الوقت نفسه هشاشة الاستقرار حين تبقى الأسلحة خارج إطار الدولة. ومع عودة القتال، تتسع المخاوف من انزلاق اليمن مرة أخرى إلى حرب واسعة، بما تحمله من خسائر إنسانية وسياسية واقتصادية.
إن السلام الذي تبحث عنه المنطقة يحتاج إلى أكثر من توقف مؤقت لإطلاق النار. يحتاج إلى إرادة سياسية تمنح الدولة اليمنية مكانتها، وتضع السلاح تحت سلطة المؤسسات، وتمنع تحويل اليمن إلى منصة لصراعات الآخرين. أما استمرار امتلاك جماعة مسلحة قرار الحرب والسلم، فيجعل أي تسوية معرضة للانهيار عند أول منعطف إقليمي.
ومن هنا يصبح الأمن الوطني السعودي جزءًا أصيلاً من معادلة السلام، وليس نقيضًا لها. حماية الحدود والمدن والمنشآت الحيوية حق سيادي، والردع الذي يمنع استهداف المدنيين والمنشآت الاقتصادية يمثل عنصرًا من عناصر الاستقرار. وفي المقابل، فإن الوصول إلى سلام مستدام في اليمن يظل مصلحة سعودية وإقليمية؛ لأن يمنًا مستقرًا يعني حدودًا أكثر أمنًا، وبحرًا أكثر استقرارًا، واقتصادًا أقل تعرضًا لارتدادات الصراع.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحوثي قادر على إعادة إنتاج الأزمة كلما توفرت له أدوات القوة والمساحة السياسية. ولذلك فإن استمرار الاعتداءات يفرض سؤالًا أكبر من سؤال الرد العسكري: كيف يمكن إنهاء الحلقة التي تجعل كل تهدئة مقدمة لجولة جديدة من التصعيد؟
الجواب يبدأ من حقيقة واضحة: السلام لا يمكن أن يستقيم مع استمرار التهديد، والاستقرار لا يمكن أن يقوم فوق سلاح خارج سلطة الدولة. ومن ثم فإن مواجهة الخطر الحوثي تحتاج إلى مسار متكامل يجمع بين حماية الأمن الوطني السعودي، وتعزيز الردع، ودعم الحل السياسي، والعمل على إنهاء مصادر التمويل والتسليح التي تمنح الجماعة القدرة على مواصلة التصعيد.
إن أزمة الحوثي لم تعد شأنًا يمنيًا داخليًا فحسب؛ فقد أصبحت اختبارًا حقيقيًا لقدرة المنطقة على حماية أمنها وطرق تجارتها ومقدراتها من جماعة مسلحة اختارت توسيع دائرة المواجهة. وكلما اتسعت دائرة الاستهداف، أصبحت الحاجة أكبر إلى موقف إقليمي ودولي واضح: السلام هدف، لكنه لا يتحقق بتجاهل التهديد، وإنما بإزالة أسبابه ووضع حد لتحويل السلاح إلى وسيلة لفرض الإرادة السياسية.
وفي نهاية المطاف، تبقى السعودية أمام معادلة واضحة: حماية أمنها وسيادتها، والدفاع عن سكانها ومنشآتها، وفي الوقت نفسه دعم كل مسار جاد يقود إلى يمن مستقر ودولة قادرة على ممارسة دورها. أما استمرار الحوثي في إنتاج الأزمات، فيعني أن دائرة الخطر ستظل مفتوحة، وأن كل هدنة ستبقى قابلة للتحول إلى مواجهة جديدة ما لم تُعالج جذور المشكلة