بقلم- غازي العوني
هناك نظارة لا تُباع في محلات البصريات، ولا تحتاج إلى مقاس، ومع ذلك هي موجودة ومنتشرة. نظارة لا تصحح النظر، بل تشوهه. لا تقرب الصورة، بل تبعدها.
هذه هي نظارة الجهل.
نراها اليوم في كلمات كبيرة، وشعارات رنانة، صوتها عالٍ جداً وضجيجها يملأ المكان، لكن حين تفتش داخلها، لا تجد شيئاً. هي كلمات بلا مبادئ تحكمها، وبلا قيم تسندها، وبلا صدق يثبتها. كلمات تُقال لتُستهلك في لحظتها، لا لتُطبق بعدها. تُقال لتأخذ التصفيق، لا لتتحمل المسؤولية.
المشكلة أن مقياس الحكم أصبح هو علو الصوت، لا ثقل المعنى. فإذا كان الشعار رناناً وله صدى، يتم تصديقه. ويُنسى السؤال الأهم: أين الفعل؟
لقد انفصل القول عن الفعل تماماً. أصبح القول في جهة، والفعل في جهة أخرى معاكسة. يُقال شيء ويُفعل عكسه، يُرفع شعار ويُمارس نقيضه. وأصبحت الأقوال مجرد غطاء، غطاء سميك لتغطية أفعال لا تشبهها أبداً.
ولفترة، كانت هذه الخدعة تمر. كانت الأقنعة محكمة، والكلام المنمق يجد من ينخدع به.
لكن الآن، سقطت كل الأقنعة. لم يعد هناك ما يستر. التجارب كشفت، والمواقف فرزت، والأيام أظهرت حقيقة كل شعار. حين يوضع الشعار الرنان على طاولة الواقع ويُختبر، يتبخر في ثوانٍ. لا يصمد، لأنه بلا أساس.
الحقيقة اليوم لم تعد في الخفاء. الحقيقة أصبحت مرتفعة في الأفق، واضحة، مكشوفة، يراها كل من يريد أن يرى. لم تعد تحتاج إلى شرح أو دليل، لأن التناقض أصبح فاضحاً.
ومع ذلك، يبقى من لا يراها. ليس لأن النظر ضعيف، بل لأنه مصرّ على ارتداء نفس النظارة القديمة.
من يرتدي نظارة الجهل، لا يرى الأشياء كما هي، بل كما يحب أن يسمعها. لا يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عن الكلام الذي يطربه. يسمع الشعار الرنان فيصفق، ولا يسأل: ما المبدأ وراء هذا الكلام؟ ما القيمة التي يحملها؟ هل قائله صادق فيه أم أنه مجرد كلام؟
نظارة الجهل هي في حقيقتها نظارة النفس، حينما تفقد عقلها وقلبها وضميرها. هي غشاوة ليست على العين، بل على الداخل كله. حين يغيب العقل، يغيب التمييز. وحين يغيب القلب، يغيب الإحساس. وحين يغيب الضمير، يغيب الرادع. وعندها تتحول النفس إلى أداة تردد ما تسمعه بلا فحص، وتقلب الوهم حقيقة، وتقنع أن الكلام الفارغ حكمة، وأن الصوت العالي دليل على الحق.
إن خلع هذه النظارة هو أول الطريق وآخره. أن يُحاكم الفعل لا القول. أن توزن الأمور بأعمالها لا بشعاراتها. أن لا يكون الانخداع بعلو الصوت ورنين العبارة، بل السؤال عن المبدأ والقيمة والصدق. وأن تعود النفس إلى عقلها وقلبها وضميرها، فهناك فقط تبدأ الرؤية الحقيقية.
فمن خلعها، رأى الأفق واضحاً. ومن أبقاها، سيبقى يركض خلف الشعارات، بينما الحقيقة تمشي في اتجاه آخر.