بقلم: نورالدين محمد طويل
يشهد النظام الدولي في السنوات الأخيرة أزمات أمنية وسياسية متداخلة، ما يدفع الدول إلى البحث عن صيغ جديدة للتعاون، ولا سيما في المجالات الدفاعية والأمنية. وفي هذا السياق، تكتسب الاتفاقيات الإقليمية أهمية خاصة، مع بقاء نتائجها مرتبطة بمدى وضوح أهدافها وآليات تنفيذها وطبيعة التزامات أطرافها.
وتُعد منطقة الشرق الأوسط مجالًا للتنافس بين قوى دولية وإقليمية، بالنظر إلى موقعها الجغرافي وأهميتها الاقتصادية ومواردها الطبيعية. وقد شجّع ذلك عددًا من دول المنطقة على تعزيز قدراتها الذاتية، وتنويع شراكاتها، وتطوير أطر للتنسيق السياسي والأمني، بدل الاعتماد الكامل على الضمانات الخارجية.
وتأتي الاتفاقية الموقعة بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، بحسب ما أُعلن عنها، في إطار تعزيز التعاون الدفاعي والاستراتيجي بين الدول الثلاث. وتستند أهمية هذا التعاون المحتملة إلى امتلاك كل طرف عناصر مختلفة من القوة؛ فالسعودية تتمتع بثقل سياسي واقتصادي وموقع مؤثر في الخليج والعالم الإسلامي، بينما تمتلك تركيا خبرة عسكرية وصناعات دفاعية متنامية، وتتمتع باكستان بقدرات عسكرية واسعة وعلاقات استراتيجية مع البلدين.
وقد أُبرمت الاتفاقية في مكة المكرمة، وهو ما يمنحها دلالة رمزية خاصة، إلا أن تقييمها السياسي والأمني ينبغي أن يستند أساسًا إلى نصوصها المعلنة، ونطاق التعاون الذي تحدده، ومدى توافقه مع التزامات الدول الثلاث الإقليمية والدولية. ووفق الخطاب الرسمي، لا تستهدف الاتفاقية دولة بعينها، بل تهدف إلى تطوير التنسيق لمواجهة التحديات الأمنية وتعزيز الاستقرار. غير أن تحديد آثارها الفعلية يتطلب متابعة آليات التنفيذ وطبيعة التدريبات أو الترتيبات الدفاعية التي قد تنشأ عنها.
ومن المهم التمييز بين التحليل الاستراتيجي والتفسير الطائفي. فالتقارب بين الدول الثلاث يمكن تفسيره بعوامل جغرافية وسياسية وأمنية واقتصادية، من بينها الحاجة إلى تنسيق المواقف وتبادل الخبرات وتطوير القدرات الدفاعية. وفي المقابل، قد تنظر بعض الأطراف الإقليمية إلى أي ترتيبات أمنية جديدة باعتبارها جزءًا من إعادة تشكيل موازين القوى، وهو ما قد يثير مخاوف أو ردود فعل سياسية، حتى إذا لم تُعلن الاتفاقية موجهة ضد طرف محدد.
تجمع الدول الثلاث عناصر قوة متفاوتة ومتكاملة نسبيًا، لكنها تختلف في توجهاتها الخارجية والتزاماتها الدولية. فتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، ولها حساباتها الأمنية الخاصة، بينما ترتبط باكستان بعلاقات متعددة مع قوى إقليمية ودولية، وتتبنى السعودية سياسة تقوم على توسيع الشراكات وتعزيز حضورها في القضايا الإقليمية. لذلك، فإن نجاح التعاون الثلاثي سيعتمد على قدرة الأطراف على إدارة هذه الاختلافات، وتحديد مجالات التعاون بدقة، وتجنب تحويل الاتفاقية إلى إطار للمواجهة أو الاستقطاب.
وتشير التطورات الأمنية في المنطقة إلى صعوبة معالجة الأزمات من خلال تحرك دولة واحدة، مهما كانت إمكاناتها،فالتحديات الراهنة، مثل النزاعات المسلحة، وأمن الممرات البحرية، ومكافحة الإرهاب، وحماية البنية التحتية، تتطلب قدرًا من التنسيق بين الدول. ومع ذلك، لا يعني ذلك أن التحالفات أو الاتفاقيات الدفاعية تؤدي تلقائيًا إلى الاستقرار؛ فقد تسهم في الردع وبناء القدرات، لكنها قد تزيد التوتر أيضًا إذا غابت الشفافية أو أسيء تفسير أهدافها.
ويمكن النظر إلى الاتفاقية بوصفها جزءًا من توجه سعودي أوسع نحو تنويع الشراكات وتعزيز القدرات الوطنية، وهو توجه يرتبط، من حيث الخطاب الرسمي، بمستهدفات رؤية السعودية 2030. غير أن الربط بين الاتفاقية ونتائج الرؤية يظل تقديرًا سياسيًا، بينما يتطلب الحكم على آثارها الفعلية قياس ما ستضيفه إلى الأمن الإقليمي، ومدى إسهامها في خفض التوتر، واحترامها لمبادئ السيادة وعدم التدخل، وقدرتها على فتح قنوات للحوار إلى جانب التعاون الدفاعي.
في المحصلة، تمثل اتفاقية مكة بين السعودية وتركيا وباكستان خطوة ذات دلالات سياسية وأمنية، وقد توفر إطارًا لتبادل الخبرات وتنسيق المواقف. لكن أثرها على السلام والاستقرار لن يتحدد بمراسم توقيعها أو رمزية مكانها فحسب، بل بوضوح أهدافها، وشفافية ترتيباتها، وطريقة تعامل أطرافها مع المخاوف الإقليمية، ومدى اقتران التعاون الدفاعي بجهود دبلوماسية تسهم في معالجة أسباب الأزمات.