بقلم : د. علي بن عالي السعدوني
من الظلم الذي تصنعه الذاكرة الثقافية أحيانًا أن تلتصق بكاتب عبارة ثم تسافر العبارة عبر القرون أسرع من كتابه، ويتناقلها الناس حتى تصبح وكأنها حقيقة لا تحتاج إلى مراجعة، وهذا ما حدث مع الجاحظ وموقفه من المعلمين إذ شاع في بعض المجالس والكتابات أن الرجل كان يحتقر مهنة التعليم، وأنه يرى أنها مهنة لا يقصدها إلا أصحاب المكانة الاجتماعية المتدنية بل تُنسب إليه عبارات تتحدث عن العبيد والهنود وغيرهم بينما العودة إلى رسالة المعلمين تكشف صورة مختلفة تستحق أن نتوقف عندها طويلًا؛ لأن الجاحظ لم يقف في الرسالة خصمًا للمعلم بل وقف مدافعًا عنه في وجه مَن عمّم أخطاء بعض المعلمين على المهنة كلها.
الجاحظ كان ساخرًا بطبيعته شديد الملاحظة للتناقضات الاجتماعية لا يترك فئة من فئات المجتمع إلا ويضعها تحت مجهر لغته ونقده، ولذلك فإن اقتطاع عبارة من سياقها، أو الخلط بين رأيه وبين رأي ينقله عن غيره قد يصنع حكمًا بعيدًا عن حقيقة موقفه، وفي رسالة المعلمين نراه يخاطب مَن انتقص المعلمين بلغة حادة، ويعاتبه لأنه أخذ أخطاء الصغار فجعلها حكمًا على الكبار، وحمل المجتهد ذنب المقصر، وكأن الجاحظ يقول قبل أكثر من ألف عام إن عدالة النقد تبدأ من التفريق بين المهنة ومَن يسيء إليها، وبين المعلم الذي يحمل رسالته بوعي والمعلم الذي يؤديها بوصفها وظيفة تنتهي بانتهاء الحصة.
وهذا المعنى ما زال صالحًا لواقعنا التعليمي اليوم فوجود معلم ضعيف لا يعني ضعف التعليم، ووجود معلم لا يقرأ ولا يتطور ولا يعرف من مهنته إلا دفتر التحضير وموعد الحصة لا يمنحنا الحق في محاكمة آلاف المعلمين والمعلمات الذين يدخلون مدارسهم كل صباح ويحملون مسؤولية ثقيلة في بناء الإنسان؛ لأن المهنة أكبر من أخطاء أفرادها كما أن تقديس المهنة لا يعني إعفاء العاملين فيها من النقد والمحاسبة، فالاحترام شيء، والمساءلة المهنية شيء آخر تمامًا.
المعلم الحقيقي ليس ناقلًا لمعلومة يستطيع الطالب اليوم الوصول إليها خلال ثوانٍ، ولم تعد قيمته مرتبطة بقدرته على حفظ كتاب مدرسي ثم إعادة ما فيه أمام الطلاب؛ لأن التقنية والذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على تقديم المعلومة بصورة أسرع وأوسع، وإنما قيمة المعلم الحديثة تكمن في قدرته على صناعة عقل يعرف كيف يفكر، وكيف يناقش، وكيف يشك بطريقة علمية، وكيف يفرّق بين المعلومة والرأي، وكيف يحترم المختلف معه، وكيف يحول المعرفة من كلمات محفوظة إلى سلوك وشخصية ووعي.
ولعل أجمل ما نستحضره من دفاع الجاحظ عن المعلمين أنه لم يجعل المهنة حصانة ضد النقد، ولم يجعل تقصير بعض أفرادها سببًا لإهانة الجميع، وهذه معادلة نفتقدها أحيانًا في حديثنا عن التعليم، فإما أن يتحول المعلم إلى شخص لا يجوز الاقتراب من أدائه بالنقد، وإما أن يصبح كل تقصير فردي مادة للتقليل من مكانة المهنة بأكملها، والصواب أن نحفظ للمعلم قدره ثم نطالبه في الوقت نفسه بأن يكون على قدر ذلك المقام؛ لأن المجتمع الذي يمنح المعلم احترامًا كبيرًا يملك الحق في أن ينتظر منه أثرًا كبيرًا.
والسؤال الذي ينبغي أن يطرح لو عاد الجاحظ إلى مدارسنا اليوم ماذا سيكتب عن المعلم الذي يغيّر شخصية طلابه ويوقظ فيهم حب المعرفة، وماذا سيكتب في المقابل عن معلم يدخل الفصل ولا يشرح، أو يكرر مادته بالطريقة نفسها سنوات طويلة، أو يرى التدريب والتطوير عبئًا إضافيًا، أو يعتقد أن رسالته انتهت بمجرد تسجيل الحضور وأداء الحصة؟
أحسب أن الجاحظ، بما عرف عنه من ذكاء وسخرية ونفاذ إلى طبائع البشر كان سيقف مع المعلم الجاد كما وقف معه قديمًا لكنه لن يجامل المقصر لمجرد أنه يحمل اسم معلم؛ لأن الدفاع الحقيقي عن التعليم ليس أن نقول إن جميع المعلمين رائعون بل أن نصنع بيئة تجعل المعلم المتميز نموذجًا يحتذى، وتساعد الضعيف على التطور، وتحاسب مَن يصر على التقصير، فمكانة المعلم لا يحفظها الخطاب العاطفي وحده، وإنما يحفظها أثره الذي يبقى في عقل الطالب وشخصيته بعد أن ينسى الطالب أسماء الدروس وأرقام الصفحات.
لقد دافع الجاحظ عن المعلمين قبل قرون لأن ظلم الجماعة بسبب الفرد خطأ في ميزان العقل والعدل، وما أحوجنا اليوم إلى الفكرة نفسها، فلا نهدم مكانة المعلم بسبب مقصر، ولا نحمي المقصر باسم مكانة المعلم، فالتعليم لا ينهض بالمديح وحده، ولا يصلح بالجلد المستمر، وإنما ينهض بمعلم يعرف أن أمامه إنسانًا يصنع مستقبله، ومجتمع يعرف أن خلف كل عقل ناضج معلمًا مرّ ذات يوم من أمام سبورة، وقال كلمة ربما نسيها هو لكنها بقيت في حياة طالب إلى الأبد.