بقلم: د. م. سلمان آل سفر
تشهد مدينة الرياض اليوم تحولًا حضريًا واقتصاديًا غير مسبوق، يتوازى مع نمو سكاني متسارع، وتوسع في الأنشطة الاقتصادية ومقار الشركات والمشروعات الكبرى، وهو ما يفرض بطبيعة الحال تحديات متزايدة على منظومة النقل والحركة المرورية. ومن أبرز هذه التحديات تركز أعداد كبيرة من الرحلات اليومية في فترات زمنية محدودة صباحًا ومساءً، فيما نعرفه جميعًا بـ«ساعات الذروة».
ومن هنا تأتي أهمية مبادرة ساعات العمل المرنة التي بدأت الهيئة الملكية لمدينة الرياض، بالشراكة مع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، تطبيقها في الثاني من يونيو 2026، بوصفها نموذجًا للحلول التنظيمية الذكية التي لا تعتمد فقط على إنشاء المزيد من الطرق والجسور والأنفاق، وإنما تتعامل مع أحد الأسباب الرئيسة للازدحام: تزامن الطلب على شبكة الطرق في الوقت نفسه.
وقد شملت المبادرة في مرحلتها الحالية أكثر من 50 جهة في ست مناطق عمل رئيسة هي: مركز الملك عبدالله المالي «كافد»، والمدينة الرقمية، وحي السفارات، وليسن فالي، وغرناطة بزنس، وواجهة روشن، مع زيادة نافذة ساعات الحضور المرنة إلى أربع ساعات، بما يسمح بتوزيع أوقات وصول الموظفين ومغادرتهم بدلًا من تجمعها في فترة زمنية واحدة.
وهنا تكمن، في تقديري، بساطة الفكرة وقوة أثرها في الوقت نفسه.
فالطريق الذي يستقبل عددًا كبيرًا من المركبات خلال ساعة واحدة قد يعاني اختناقًا شديدًا، بينما يمكن للشبكة نفسها أن تستوعب العدد ذاته بكفاءة أفضل عندما تتوزع الرحلات على ثلاث أو أربع ساعات. أي أننا أمام مفهوم مهم في إدارة المدن الحديثة يسمى إدارة الطلب على التنقل؛ فليس الحل دائمًا زيادة العرض بإنشاء طرق جديدة، وإنما يمكن أحيانًا إعادة توزيع الطلب على البنية التحتية القائمة.
وهذا المبدأ تؤيده أيضًا الدراسات المتخصصة في النقل؛ إذ تبحث نماذج «أوقات العمل المتدرجة» في تقليل زمن الرحلات والازدحام عبر تفكيك التركز الزمني للطلب خلال ذروة التنقل الصباحية.
والأهم أن تجربة الرياض لا ينبغي النظر إليها باعتبارها حلًا مروريًا فقط؛ فأثرها المحتمل يمتد إلى جوانب اقتصادية واجتماعية وبيئية متعددة.
عندما يقضي الموظف وقتًا أقل عالقًا في الازدحام، فإن ذلك يعني تقليل الوقت المهدَر في التنقل، وتحسين جودة الحياة، ومنح الأسر وقتًا أكبر، فضلًا عن إمكانية تقليل استهلاك الوقود والانبعاثات الناتجة عن التوقف والحركة البطيئة للمركبات. كما أن وصول الموظف إلى مقر عمله بعيدًا عن ضغط الازدحام قد ينعكس إيجابًا على تجربته اليومية وبيئة العمل والإنتاجية.
لكنني أرى أن القيمة الأكبر لهذه التجربة تكمن في تغيير طريقة التفكير في إدارة المدينة.
فالمدن الكبرى لا تستطيع معالجة كل تحديات الحركة ببناء مزيد من الطرق فقط؛ لأن النمو المستمر في السكان والوظائف والأنشطة الاقتصادية يولد رحلات جديدة. ولهذا أصبحت الحلول الحديثة تعتمد على منظومة متكاملة تجمع بين البنية التحتية، والنقل العام، والتقنيات الذكية، وإدارة الطلب، والعمل المرن وعن بُعد، وتوزيع الأنشطة والخدمات جغرافيًا.
ومن هنا يمكن أن تصبح ساعات العمل المرنة عنصرًا مهمًا ضمن منظومة النقل الجديدة في الرياض، خصوصًا مع وجود مترو الرياض والحافلات والنقل العام؛ بحيث لا يكون الهدف فقط تغيير ساعة حضور الموظف، وإنما إدارة «رحلته اليومية» كاملة بصورة أكثر كفاءة.
وفي المرحلة المقبلة، من المهم أن تكون البيانات هي الحكم على نجاح التجربة.
فمن المفيد قياس متوسط زمن الرحلة قبل التطبيق وبعده، وسرعة الحركة على المحاور المؤدية إلى مناطق العمل المشمولة، وحجم الحركة في كل ساعة، ونسب استخدام النقل العام، وأوقات الدخول والخروج من مواقف السيارات، ومستوى رضا الموظفين، بل وحتى تقدير الوفر في الوقود والانبعاثات وساعات العمل المهدرة.
وقد أثيرت هذه النقطة بالفعل في النقاش المهني حول التجربة؛ إذ إن نجاح الدوام المرن واستدامته يرتبطان بالمؤشرات والقياس، وبتكامله مع النقل العام والعمل عن بُعد والنقل المدرسي، وليس باعتباره قرارًا منفردًا.
وأقترح كذلك، بعد اكتمال فترة كافية من القياس والتحليل، دراسة التوسع التدريجي في التجربة لتشمل مناطق وقطاعات أخرى مناسبة في الرياض، مع مراعاة طبيعة كل قطاع؛ فالمستشفيات والمدارس والقطاعات التشغيلية والميدانية تختلف بطبيعتها عن الأعمال المكتبية والإدارية، ولا يمكن تطبيق نموذج واحد على الجميع.
كما يمكن دراسة مفهوم الساعات الأساسية المشتركة؛ أي تحديد فترة محددة يكون فيها جميع الموظفين موجودين لضمان الاجتماعات والتنسيق، مع ترك بداية ونهاية يوم العمل بقدر أكبر من المرونة. وهذا يحقق التوازن بين المرونة ومتطلبات الإنتاجية واستمرارية الأعمال.
ويمكن الذهاب إلى أبعد من ذلك مستقبلًا، من خلال استخدام البيانات والذكاء الاصطناعي في تحليل الحركة المرورية وربطها - على المستوى التخطيطي - بأنماط الدوام والنقل العام والفعاليات الكبرى، بحيث تصبح إدارة الحركة أكثر استباقية وقدرة على توقع الاختناقات قبل حدوثها.
إن الرياض التي نبنيها اليوم ليست مجرد مدينة أكبر مساحةً وأكثر طرقًا ومباني؛ بل هي مدينة تسعى إلى أن تكون أكثر ذكاءً وكفاءةً واستدامةً وجودةً للحياة.
ولهذا فإن تجربة ساعات العمل المرنة تستحق الإشادة والدراسة والتطوير؛ لأنها تقدم درسًا بسيطًا في ظاهره وعميقًا في مضمونه:
أحيانًا لا نحتاج إلى طريق جديد بقدر ما نحتاج إلى أن نستخدم الطريق الموجود بطريقة أذكى.
وإذا أثبتت البيانات أن توزيع أوقات العمل أسهم بصورة ملموسة في تخفيف الازدحام، فإننا أمام تجربة يمكن تطويرها من «مبادرة للدوام المرن» إلى أحد مكونات استراتيجية متكاملة لإدارة الطلب على التنقل في مدينة الرياض.
فالمدينة الذكية ليست التي تبني أكثر فحسب، بل التي تدير مواردها وطرقها ووقتها بكفاءة أكبر.
عن الكاتب - د. م. سلمان آل سفر
باحث و مستشار هندسي و مدير تنفيذي في إدارة المرافق والمشروعات والتشغيل و الصيا نة