الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٩ أغسطس-٢٠٢٦       6820

بقلم ـ د. طارق بن محمد بن حزام

ليس الفشل تجربة عابرة تمر بالإنسان ثم تنتهي؛ فقد يثقل النفس، ويترك في القلب شعورًا بأن الطريق قد أُغلق، وأن ما بُذل من جهد قد ذهب سدى. عندها يقول المرء: فشلت في عملي، أو دراستي، أو في بلوغ ما أردت.

لكن الحقيقة أن كثيرًا مما نسميه فشلًا ليس نهاية الطريق، بل تجربة لم تبلغ غايتها بعد.

فليس كل تعثر فشلًا، كما أن كل ابتلاء لا يعني خسارة. قد يمر الإنسان بمحنة تثقل قلبه، ثم يخرج منها أكثر صبرًا ووعيًا ونضجًا. والقرآن الكريم يلفت الإنسان إلى أن العسر قد يحمل في طياته من الخير ما لا يراه في لحظته، قال تعالى:

﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾
[الشرح: 5-6]

ومن أجمل ما يكشفه القرآن عن أثر المحن في صناعة المستقبل قصة يوسف عليه السلام؛ فقد أُلقي في الجب، ثم بيع عبدًا، ثم دخل السجن ظلمًا. ولم تكن تلك المحن نهاية أمره، بل كانت مراحل مضت به في قدر الله حتى بلغ التمكين، قال تعالى:

﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾
[يوسف: 21]

وليس المقصود أن نسمي ما وقع ليوسف عليه السلام «فشلًا»، وإنما أن نتعلم من قصته أن المحنة لا تكشف دائمًا نهاية الطريق، وأن الإنسان قد لا يرى الحكمة في بداية الأحداث، ثم تتكشف له مع الأيام.

وفي غزوة أُحد، حين أصاب المسلمين ما أصابهم من جراح وخسارة، لم يتركهم القرآن أسرى للحزن والهزيمة، بل أعاد إلى نفوسهم الثقة والثبات، فقال تعالى:

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[آل عمران: 139]

فالعبرة ليست في أن تسقط، وإنما في ألا تستوطن موضع سقوطك.

وكثيرًا ما يكشف الفشل للإنسان أن الطريق الذي سلكه لم يكن هو الأنسب، أو أن في خطته خللًا لم ينتبه إليه. إنه ينبهه إلى ما أغفله، ويفتح أمامه باب المراجعة والتصحيح. ولذلك قد يكون الفشل دعوة إلى تغيير الوسيلة، لا إلى التخلي عن الغاية.

وهنا يحدث أمر أعمق: قد يوقظ الفشل في الإنسان إبداعًا لم يكن ليظهر في لحظات النجاح السهل.

فعندما تضيق الطرق المألوفة، يبدأ الإنسان في البحث عن طريق آخر. وحين لا تنجح الوسيلة الأولى، تتسع مساحة التفكير، وتتغير زاوية النظر، وقد تولد فكرة جديدة من رحم تجربة لم تنجح. فكثير من الحلول لم تُكتشف إلا بعد أن أخفقت الطرق المعتادة في الوصول إلى النتيجة.

لكن ثمة ما هو أخطر من الفشل نفسه: الخوف من الفشل.

فالخوف قد يمنع الإنسان من المحاولة قبل أن يبدأ، ويحبس موهبته خلف جدار التردد، ويعطل قدرات كان يمكن أن تصنع له طريقًا مختلفًا. فكم من فكرة لم ترَ النور، وكم من موهبة خمدت، لا لأنها عاجزة، بل لأن صاحبها خشي أن يخطئ.

ولهذا قال النبي ﷺ:

«المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز»
رواه مسلم.

غير أن النهوض بعد الفشل لا يعني تكرار التجربة بالطريقة نفسها، فالحكمة ليست في مجرد الإصرار، وإنما في الإصرار المصحوب بالمراجعة. نعود إلى التجربة بوعي جديد، نفهم ما حدث، ونحدد موضع الخلل، ونصحح الوسيلة، ثم نواصل السير.

فالخطأ ليس عارًا، والفشل ليس حكمًا نهائيًا على الإنسان؛ إنما هو تجربة تكشف له ما لم يكن يعرفه عن نفسه وعن الحياة.

وكم من أمر ظننته يومًا نهاية، ثم اكتشفت بعد حين أنه كان بداية جديدة! وكم من باب أُغلق في وجهك، فإذا وراءه أبواب لم تكن تراها!

ومع الإيمان بالله وحسن الظن به، يصبح التعثر مجالًا للمراجعة، والخسارة درسًا في التقدير، والفشل باعثًا على معرفة النفس والواقع. فلا تسأل فقط: لماذا فشلت؟ بل اسأل أيضًا: ماذا علّمني هذا الفشل؟ وأين كان الخلل؟ وما الذي لم أره من قبل؟

قال تعالى:

﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾
[البقرة: 216]

ثم تمضي الأيام، فتكتشف أن كثيرًا مما أحزنك يومًا لم يكن يستحق كل ذلك الانكسار؛ فبعض الأخطاء لم تكن إلا دروسًا، وبعض الإخفاقات لم تكن إلا محطات أعادت ترتيب رؤيتك للحياة، وبعض التجارب القاسية صنعت فيك من الوعي ما لم تكن لتبلغه في ظروف أخرى.

لذلك لا تجعل عثرة واحدة تختصر حياتك، ولا تجعل تجربة لم تنجح تحكم على مستقبلك. فقد لا تكون قد فشلت؛ ربما أنت فقط لم تصل بعد.

فالحياة لا تُقاس بعدد المرات التي تعثرنا فيها، وإنما بما تعلمناه من عثراتنا، وبقدرتنا على النهوض بعدها، وبما نبتكره من حلول حين تضيق أمامنا الطرق.

فالفشل الذي تتعلم منه، وتراجع نفسك بعده، ثم تعود إلى المحاولة بعين أكثر بصيرة؛ قد يكون هو اللحظة التي يوقظ فيها الفشل إبداعك، ويولد من عثرتك طريقًا جديدًا لم تكن تراه.