بقلم / موضي عوده العمراني
هناك جملٌ لا تحتاج إلى شرح، لأنها تأتي محمّلة بكل ما عجز الطرف الآخر عن قوله.
وصلتني ذات يوم جملة بسيطة في كلماتها، ثقيلة في وقعها:
«أرجوك، علاقتنا أصبحت رسمية جدًا.»
توقفت طويلًا أمامها.
لم أتوقف لأنني لم أفهم معناها، بل لأنني فهمتها أكثر مما ينبغي.
فـ«الرسمية» لا تعني دائمًا الاحترام، كما تبدو في ظاهرها؛ أحيانًا تكون اسمًا مهذبًا للمسافة، وطريقة ناعمة لإغلاق الأبواب التي كانت يومًا مفتوحة على اتساع القلب.
كنت أتساءل:
متى أصبحت الأحاديث التي كانت تمتد بلا موعد، تحتاج إلى حساب؟
ومتى أصبحت العفوية تجاوزًا؟
ومتى صار السؤال عن الحال تدخّلًا؟
ومتى تحولت تلك المساحة التي كانت تجمعنا إلى حدودٍ لا يُسمح بتجاوزها؟
ربما لم تتغير العلاقة في لحظة واحدة.
ربما تراكمت التفاصيل الصغيرة:
ردودٌ باردة بعد دفء،
غيابٌ بعد حضور،
صمتٌ بعد حديث طويل،
ومسافةٌ بدأت تكبر دون أن يعلن أحدٌ عن بدايتها.
ثم جاءت الجملة لتضع الاسم الأخير على كل ذلك:
«علاقتنا أصبحت رسمية جدًا.»
في الحقيقة، لم تكن الجملة طلبًا للرسمية بقدر ما كانت إعلانًا بأن شيئًا ما قد انتهى.
وحين تنتهي العفوية بين شخصين، لا تعود الكلمات كما كانت، ولا الضحكات كما كانت، وحتى السؤال العابر يصبح محسوبًا.
أصعب ما في الأمر ليس أن تصبح العلاقة رسمية؛
بل أن تتذكر كيف كانت قبل ذلك.
أن تتذكر أنك كنت تتحدث دون أن تفكر في صياغة الجملة، وتضحك دون أن تخشى أن يُفهم ضحكك خطأ، وتسأل دون أن تشعر أنك تجاوزت حدودك.
ثم تجد نفسك فجأة أمام شخص تعرفه جيدًا، لكنك تتعامل معه كما لو أنك تراه للمرة الأولى.
لا عتاب.
لا أسئلة.
لا محاولات لإعادة ما انكسر.
فبعض العلاقات حين تصل إلى مرحلة «الرسمية جدًا»، لا تحتاج إلى إنقاذ، بل تحتاج إلى قبول الحقيقة.
والحقيقة أنني لم أكره الرسمية، لكنني حزنت على العفوية التي سبقتها.
حزنت على نسخةٍ من علاقتنا لن تعود.
ومنذ ذلك اليوم، تعلمت أن بعض الناس لا يخرجون من حياتنا دفعة واحدة؛
بل يخرجون منها بالتدريج، مع كل كلمةٍ تصبح أكثر رسمية، وكل مساحةٍ تضيق، وكل شعورٍ يُطلب منا أن نخفيه.
وفي النهاية، لا يبقى إلا ذلك السؤال الصامت:
كيف أصبحنا غرباء، ونحن الذين كنا يومًا نعرف بعضنا أكثر مما ينبغي؟
ربما كانت جملة «علاقتنا أصبحت رسمية جدًا» هي النهاية التي لم يجرؤ أحدٌ على تسميتها نهاية.
أما أنا، فقد فهمت الرسالة.
وتراجعت خطوة…
ليس ضعفًا،
ولا غضبًا،
بل احترامًا لحدٍ وُضع بيننا.
فحين يطلب منك أحدهم أن تكون رسميًا معه، لا تحاول أن تثبت له أنك ما زلت كما كنت.
كن كما طلب.
رسميًا… جدًا.
لكن احتفظ في قلبك بكل ما كان جميلًا، واتركه هناك؛
فبعض الذكريات لا تحتاج إلى علاقةٍ كي تبقى،
يكفي أنها كانت يومًا حقيقية.