جمعان الكرت

٢٦ أغسطس-٢٠٢٦

الكاتب : جمعان الكرت
التاريخ: ٢٦ أغسطس-٢٠٢٦       1980

بقلم- جمعان الكرت 

وهذه النقلة مهمة؛ لأن أجمل ما يمكن أن يفعله المحسن هو أن يجعل الخير قادرًا على الاستمرار والتوسع، وألا يبقى أثره مرتبطًا بلحظة أو مبادرة تنتهي بانتهاء المناسبة.
إن تجربة الشيخ  سعيد العنقري  تقدم نموذجًا يستحق التأمل؛ فهناك فرق بين من يقدم تبرعًا وينتهي الأمر، وبين من يبحث عن مشروع يبقى نفعه، وفرق بين مساعدة تنتهي بانتهاء الحاجة، ومبادرة تصنع فرصة جديدة، وفرق بين دعم نشاط ثقافي عابر، وبناء مؤسسة تحتضن الثقافة وتمنحها مساحة للحضور والتأثير.
فالقاعة التي تجمع الناس، والملعب الذي يحتضن الشباب، والمبنى الذي يخدم الجمعية الخيرية، والبحث الذي يطور الزراعة، والموسوعة التي تحفظ تاريخ المكان، والنادي الأدبي الذي يحتضن المثقفين؛  والقرية التراثية التي تستقبل محبي عبق الماضي كلها تبدو في ظاهرها مشروعات مختلفة، لكنها في جوهرها تعبر عن رؤية واحدة: أن يكون للمال أثر في حياة الناس، وأن تتحول القدرة إلى مسؤولية، والنجاح الشخصي إلى منفعة عامة.
ولعل الجانب الإنساني في شخصية الشيخ  سعيد العنقري  لا يحتاج إلى كثير من الشرح؛ فمن يعرفه عن قرب يلمس كرمه، وبشاشة وجهه، وحفاوته بضيوفه، وحرصه على اجتماع الناس حول المودة والمعرفة. وهذه الصفات ليست بعيدة عن مشروعه في الحياة؛ فالكرم الحقيقي لا يكون في المال وحده، وإنما في إكرام الإنسان، واحترامه، وفتح أبواب الخير أمامه.
لقد أدرك الشيخ  سعيد العنقري  أن الوطن لا يبنى بالكلمات وحدها، وأن التنمية ليست طرقًا ومباني فحسب، وأن الثقافة ليست كتبًا وندوات فقط؛ بل إن التنمية الحقيقية هي التي تجعل الإنسان أكثر وعيًا، والمجتمع أكثر قدرة، والمكان أكثر حضورًا، والذاكرة أكثر حفظًا.
ولهذا سيظل ما قدمه للباحة وأهلها شاهدًا على أن رجال الأعمال يستطيعون أن يكونوا شركاء حقيقيين في التنمية الثقافية والاجتماعية والعلمية، وأن العطاء حين يقترن بالوعي يتحول إلى مشروع، وحين يقترن بالاستدامة يتحول إلى إرث.
شكرًا للشيخ  سعيد العنقري  على عطائه السخي، وعلى وطنيته التي تُرى في أفعاله قبل أقواله، وعلى وعيه بأهمية الثقافة والعلم والإنسان.
وما نرجوه أن تكون تجربته حافزًا لمزيد من المبادرات المماثلة من رجال الأعمال في منطقة الباحة وسائر مناطق المملكة؛ لأن الثقافة والمثقفين، كما الإنسان والعلم والمعرفة، يستحقون أن يجدوا من يؤمن برسالتهم ويدعم حضورهم.
فالأوطان لا تحفظها الذاكرة وحدها، وإنما يحفظها رجال يصنعون فيها أثرًا جميلًا، ثم يمضون ويبقى أثرهم يتحدث عنهم.